النفايات النووية.. الخطر المدفون في معركة المناخ

تاريخ النشر : الأربعاء 10:15 4-11-2026
No Image

في وقت يتسابق فيه العالم لتأمين مصادر طاقة مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، وسط تصاعد الطلب على الكهرباء بفعل التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، تعود الطاقة النووية إلى واجهة الحلول المطروحة لمواجهة أزمة المناخ. لكن خلف هذه الطاقة التي توصف بأنها منخفضة الكربون، تختبئ معضلة بيئية معقدة: ماذا يفعل العالم بالنفايات المشعة التي قد تظل خطرة لآلاف، بل مئات آلاف السنين؟

لم يعد النقاش حول الطاقة النووية مقتصراً على قدرتها على إنتاج الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بمدى قدرة البشرية على احتواء مخلفاتها الخطرة وضمان عدم انتقال أضرارها إلى الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، تبرز المستودعات الجيولوجية العميقة بوصفها أحد أبرز الحلول العلمية المطروحة للتخلص النهائي من النفايات النووية عالية الإشعاع، عبر عزلها في أعماق الأرض داخل تكوينات صخرية مستقرة، باستخدام منظومة متكاملة من الحواجز الهندسية والطبيعية.

الطاقة النووية.. وجه آخر لمعادلة المناخ

توفر الطاقة النووية نحو 10% من احتياجات الكهرباء العالمية، وتُعد من أكبر مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية، الأمر الذي يجعلها خياراً مهماً في خطط العديد من الدول لتحقيق الحياد المناخي وتعزيز أمن الطاقة.

وتكتسب هذه الطاقة أهمية متزايدة مع ارتفاع استهلاك الكهرباء عالمياً، خصوصاً مع التوسع في تشغيل مراكز البيانات والخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى إمدادات كهربائية مستمرة وموثوقة.

لكن هذه المزايا لا تلغي التحديات البيئية المرتبطة بتشغيل المفاعلات النووية، وفي مقدمتها إنتاج نفايات مشعة تتطلب إدارة دقيقة ومنشآت متخصصة قادرة على عزلها عن الإنسان والبيئة لفترات زمنية طويلة.

وتكمن خطورة هذه النفايات في احتوائها على نظائر مشعة تطلق جسيمات أو موجات عالية الطاقة، يمكن أن تؤثر في الخلايا والأنسجة الحية، وتتسبب في أضرار صحية وبيئية تختلف باختلاف مستوى التعرض ومدة الإشعاع.

نفايات لا تنتهي خطورتها بانتهاء عمر المفاعل

لا تحمل جميع النفايات النووية الدرجة نفسها من الخطورة، إذ تختلف مستويات نشاطها الإشعاعي والفترات الزمنية اللازمة لتراجع هذا النشاط.

وتشمل النفايات منخفضة المستوى الملابس الواقية والأدوات والمعدات التي تعرضت للتلوث الإشعاعي، وتتميز عموماً بانخفاض نشاطها الإشعاعي نسبياً، فيما تضم النفايات متوسطة المستوى مواد أكثر تلوثاً، مثل الراتنجات والحمأة الكيميائية وبعض مكونات المفاعلات.

أما التحدي الأكبر فيتمثل في النفايات عالية الإشعاع، وعلى رأسها الوقود النووي المستهلك، الذي يتميز بنشاط إشعاعي مرتفع وقدرة على توليد الحرارة، ما يستدعي توفير أنظمة خاصة لتبريده وحمايته وعزله.

وتزداد صعوبة التعامل مع هذه المواد بسبب طول أعمار النصف لبعض النظائر المشعة؛ فعلى سبيل المثال، يبلغ عمر النصف للبلوتونيوم-239 نحو 24 ألف عام، أي إن الأمر يحتاج إلى فترات زمنية هائلة حتى يتراجع نشاطه الإشعاعي إلى مستويات أقل.

وهذا يعني أن مسؤولية التخلص من النفايات النووية لا تتوقف عند إغلاق المفاعلات، بل تمتد إلى مستقبل بعيد يتجاوز عمر المؤسسات والدول والحضارات الحالية.

الدفن الجيولوجي.. رهان العالم على أعماق الأرض

منذ بدء تشغيل محطات الطاقة النووية التجارية في خمسينيات القرن الماضي، تراكمت كميات ضخمة من الوقود النووي المستهلك حول العالم، ولا يزال جزء كبير منها محفوظاً في منشآت تخزين مؤقتة، بانتظار المعالجة أو التخلص النهائي.

وفي مواجهة هذه المعضلة، أصبح الدفن الجيولوجي العميق أحد أبرز الحلول المعتمدة دولياً للتعامل مع النفايات النووية عالية النشاط، إذ تقوم فكرته على وضع المواد المشعة داخل حاويات متخصصة، في أعماق تصل إلى مئات الأمتار تحت سطح الأرض، ضمن تكوينات صخرية مستقرة جيولوجياً.

ويعتمد هذا النهج على ما يعرف بنظام الحواجز المتعددة، الذي يجمع بين الحاويات المعدنية والمواد العازلة والطبقات الصخرية المحيطة، بهدف الحد من احتمالات تسرب المواد المشعة وانتقالها إلى البيئة المحيطة.

وتتسابق عدة دول لتطوير هذه المنشآت، من بينها السويد وفرنسا وسويسرا وكندا وألمانيا، فيما تتجه الولايات المتحدة إلى دراسة خيارات لإنشاء مستودع جيولوجي دائم، مع طرح حوافز اقتصادية لتشجيع الولايات على استضافة مثل هذه المشاريع.

فنلندا تقود التجربة.. «أونكالو» نموذج للمستقبل

تتصدر فنلندا المشهد العالمي في هذا المجال من خلال مشروع «أونكالو»، الذي يُعد من أكثر مشاريع التخلص النهائي من الوقود النووي المستهلك تقدماً على مستوى العالم.

ويقع المشروع في جزيرة أولكيلوتو، على الساحل الغربي لفنلندا، وقد صُمم ليكون مستودعاً جيولوجياً عميقاً على عمق يتراوح بين 400 و450 متراً داخل تكوينات صخرية من الغرانيت، بعد عقود من الدراسات والأبحاث والتقييمات العلمية.

وتكمن أهمية المشروع في أنه يقدم نموذجاً عملياً لكيفية التعامل مع النفايات النووية طويلة العمر، بدلاً من الاكتفاء بتخزينها مؤقتاً في منشآت سطحية أو أحواض التبريد.

ولا تقتصر أهمية التجربة الفنلندية على الجانب الهندسي، بل تمتد إلى بناء إطار تنظيمي وعلمي ومؤسسي يضمن مراقبة المشروع وتقييم سلامته على المدى الطويل.

هل يمكن أن تتحول المدافن النووية إلى تهديد بيئي؟

رغم التطور الكبير في تقنيات العزل الجيولوجي، فإن التخلص من النفايات النووية لا يخلو من مخاطر وتحديات، خصوصاً أن معايير السلامة المطلوبة يجب أن تصمد أمام تغيرات طبيعية قد تحدث على مدى آلاف السنين.

ويبرز تآكل الحاويات المعدنية باعتباره أحد المخاطر المحتملة، إلى جانب احتمالات حدوث تغيرات جيولوجية أو نشاط زلزالي قد يؤثر في استقرار بعض المواقع.

لكن المياه الجوفية تمثل أحد أكثر العوامل حساسية في هذه المعادلة؛ إذ يمكن أن تؤدي، في حال وصولها إلى الحاويات وحدوث تسرب، إلى نقل بعض المواد المشعة عبر الشقوق الصخرية وصولاً إلى طبقات المياه الجوفية والأنهار والتربة الزراعية.

وقد تنتقل بعض النظائر المشعة إلى السلسلة الغذائية عبر النباتات والأسماك والحيوانات، بما قد يرفع مخاطر التعرض الإشعاعي وما يرتبط به من آثار صحية، من بينها زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان.

ولمواجهة هذه الاحتمالات، تعتمد الجهات المختصة على نماذج محاكاة علمية طويلة الأمد، تدرس سيناريوهات متعددة تشمل التغيرات المناخية المستقبلية، والدورات الجليدية، وارتفاع مستويات المياه الجوفية، والتغيرات المحتملة في التكوينات الصخرية.

كما تخضع هذه المشاريع لمعايير تنظيمية صارمة، بهدف ضمان بقاء الجرعات الإشعاعية المتوقعة ضمن الحدود الآمنة، حتى في ظل السيناريوهات المستقبلية الأكثر تحفظاً.

معركة المناخ لا تنتهي عند إنتاج الطاقة

تضع النفايات النووية العالم أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، توفر الطاقة النووية مصدراً مستقراً للكهرباء منخفضة الانبعاثات، يمكن أن يساعد في تسريع التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري، ومن جهة أخرى، تفرض مخلفاتها المشعة مسؤولية بيئية وتقنية تمتد إلى أجيال لم تولد بعد.

وتؤكد المعايير الدولية، وفي مقدمتها إرشادات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ضرورة إدارة النفايات المشعة وفق مبادئ السلامة والاستدامة، مع تجنب تحميل الأجيال المقبلة أعباء غير مبررة نتيجة قرارات اتخذت في الحاضر.

وبذلك، لا يمكن قياس استدامة الطاقة النووية بقدرتها على خفض الانبعاثات الكربونية وحدها، بل يجب أن تشمل أيضاً قدرتها على معالجة مخلفاتها بأمان، وضمان عدم تحول الحلول المناخية الحالية إلى مشكلات بيئية مستقبلية.

ففي معركة المناخ، قد تكون الطاقة النووية جزءاً من الحل، لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية إنتاج كهرباء نظيفة، بل في كيفية التعامل مع آثارها بعد انتهاء استخدامها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }