الانتشار في خدمات التعليم كان مرهقًا ومكلفًا، وربما أخذ يتحول في مرحلة ما إلى عبء على الدولة، حيث أن بعضًا من المدارس في أماكن نائية أصبحت تحتضن عشرات الطلبة بينما تحتاج إلى كوادر إدارية أعلى من العائد الكلي الذي يتحقق بجانب ما ترتبط به من جهود في الدوائر المعنية في وزارة التربية والتعليم، ومن أهم ما أخذت هذه المدارس تفتقده مع الوقت، أتى الكادر التعليمي المتميز الذي يستطيع أن يقدم خريجًا يستطيع المنافسة على المستوى المحلي مع خريجي مدارس حكومية أخرى في المدن الرئيسية حيث يكون المعروض من المدرسين كافيًا نسبيًا لتغطية احتياجات الطلبة.
أتت تجربة مدارس الملك عبدالله الثاني في سنة 2001/2002 لتكون نموذجًا مهمًا في مسيرة التعليم الأردني، وأتذكر أنني تشرفت بتقديم محاضرات حول حرية التعبير في المدرسة القائمة في محافظة إربد في سنة 2006 أو 2007 وخرجت بانطباع إيجابي جدًا حول مستوى الإدارة والطلبة في المدرسة، ولذلك لم يكن مفاجئًا بالنسبة لي أن تحصد هذه المدرسة المرتبة الأولى في مسابقة الروبوت الآلي في ولاية تكساس الأمريكية سنة 2017، وأعتقد أن هذه المدارس "النموذجية" أصبحت مجرد تجربة في وزارة التربية والتعليم ولم تحقق غاياتها من خلال إعادة إنتاج النموذج في مدارس أخرى كثيرة حول المملكة.
بالعودة إلى الارتقاء بالتعليم في المناطق النائية وخاصة في الريف والبادية، فربما من المناسب أن تعود هذه التجربة من جديد وأن يتوفر لها العنصر البشري المتمثل في المدرسين والإداريين اللازمين، بحيث يتم اختيار ثلاثين أو أربعين مركزًا وسطيًا يمكن الوصول إليها من قبل الطلبة وتغذية ذلك بباصات صغيرة، على أن يكون موقع المدرسة، ولنفترض أنه في واحدة من قرى معان، مجهزًا ببيت ضيافة للمعلمين يتكون من غرف صغيرة مجهزة بما يلزم لإقامة معلم موهوب ومتمكن في فترة انتداب تمتد لثلاث سنوات، وبعدها يكون المدرس مستحقًا لمنحة من واحدة من الجامعات الحكومية لاستكمال دراساته العليا في القيادة التربوية.
الشمول لجغرافيا الأردن ككل ليس خياراً، ولكنه مسؤولية وطنية، ومثل هذه الخطوة يجب أن تتم بكثير من الحكمة، وبما يسمح بتحويل ما قد يبدو عبئاً مالياً وتشغيلياً إلى ميزة تنموية طويلة الأمد. فالتوسع في هذه المدارس سيسهم في إنتاج كوادر بشرية مؤهلة، تجمع بين الكفاءة المهنية والقدرة على المنافسة على المستوى الوطني والدولي، والمعرفة العميقة ببيئاتها المحلية وتفاصيلها واحتياجاتها، بما يجعلها أكثر قدرة على الإسهام في قيادة مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ودفع عجلة التنمية في محافظاتها.