ولعل قراءة هذا التأكيد الملكي تقتضي العودة إلى التحركات الإسرائيلية المريبة في جنوب سوريا، والتي تتجاوز في طبيعتها ومداها الاعتبارات الأمنية التقليدية التي تحاول إسرائيل تسويقها لتبرير وجودها وتوغلاتها. فالتوسع الجغرافي، وفرض وقائع جديدة على الأرض، والاقتراب من مناطق وموارد مائية حيوية، كلها تحركات تثير تساؤلات جدية حول أهدافها الاستراتيجية الحقيقية. بالمناسبة، من الصعب فصل هذه التحركات عن سياق الضغط الإقليمي على الأردن، خصوصاً في ظل حساسية ملف المياه واعتماد المملكة تاريخياً على موارد مائية مشتركة وترتيبات مع الحكومة السورية الجديدة.
لا يمكن الجزم بأن الضغط المائي هو الدافع الوحيد أو المباشر لهذه التحركات، لكن من المشروع سياسياً وأمنياً قراءة تزامنها مع التحديات المائية الأردنية بوصفه مؤشراً يستدعي اليقظة والاستعداد؛ فالمياه تعد إحدى أدوات النفوذ والصراع في منطقة مضطربة بطبيعتها.
ولا بد في هذا السياق من استذكار كلمة جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي وإيلائها أهمية استثنائية؛ إذ ربط جلالته صراحة بين التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا والأمن المائي الأردني، مؤكداً أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني، وأن الأردن لن يقف متفرجاً أمام ما يمس أمنه ومصالح شعبه. كما أن تأكيده أن الميل الأردني إلى الدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف، يحمل دلالات واضحة على أن المملكة تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية سيادية لا تقبل الابتزاز، وأن خياراتها في حماية حقوقها ومصالحها الوطنية لا ينبغي اختزالها في المسار الدبلوماسي وحده.
في المقابل، يدرك الأردن أن حماية أمنه المائي تبدأ من الداخل أيضاً، ولذلك جاء توجيه الملك للحكومة بمواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية الموارد، ليؤكد ضرورة الانتقال من إدارة الندرة إلى بناء القدرة على تجاوزها.
إن الرسالة الملكية واضحة: لا يجوز أن يبقى مستقبل الأردنيين المائي مرتبطاً بحسابات الآخرين أو بتقلبات الإقليم، فالأمن المائي جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية، وحمايته تتطلب دبلوماسية يقظة، واستعداداً لكل الاحتمالات، ومشاريع وطنية كبرى. فالأردن الذي يعرف كيف يحمي حدوده يعرف أيضاً أن حماية موارده المائية هي حماية لمستقبله واستقلال قراره الوطني.