«ليست كل الفضفضة ثرثرة، بعضها توثيق للحياة».. بهذه الروح تفتح الروائية أمل عبده الزعبي باب مجموعتها القصصية السردية الجديدة «فضفضة»، الصادرة حديثاً عن دار يافا للنشر والتوزيع، وبدعم من اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين.
وقسمت الزعبي مجموعتها إلى عشرين عنواناً فرعياً تفضفض من خلالها البطلة، وهي: أب وقور، المليك الراحل، أمي، عائلة، الملك المعزز، مليكتنا وحاضنة المبادرات، وليّ العهد وأمل الغد، صغار وكبار، وطني، أخوات، إخوة، صديقات، أنصاف حياتي، الطفولة والشباب، جيران، رحلات إلى الإمارات العربية المتحدة، رحلات إلى قطر، رحلات إلى السعودية، رحلات إلى تركيا، ورحلة إلى مصر.
واعتمدت الزعبي في هذه المجموعة الواقعة في 135 صفحة من القطع المتوسط على نمط جديد من الكتابة السردية، مختلف عن أسلوبها في رواياتها ومجموعاتها السابقة، حيث جعلت السرد كاملاً على لسان بطلة واحدة لم تذكر لها اسماً مطلقاً.
ما بين «شروق غزة 2030» التي سألت عن الغد، و«فضفضة» التي تجيب عن اليوم، مسافة من الحنين والوطن والذاكرة، عن هذه المسافة، وعن بطلة بلا اسم تحكي بلسان كل النساء، تحدثت «$» لـ الزعبي:
المجموعة تضم عناوين لافتة مثل «المليك الراحل، الملك المعزز، مليكتنا وحاضنة المبادرات، ولي العهد وأمل الغد».. لماذا أفردتِ للقيادة الهاشمية هذه المساحة في «فضفضة» وهي مجموعة اجتماعية بالأساس؟
لأن الوطن ليس عنواناً جانبياً في حياتنا، هو كل الحكاية، أنا ابنة هذا البلد، وفضفضة البطلة لا تكتمل دون أن تفضفض عن بيتها الكبير. أفردت للعائلة المالكة زوايا كبيرة في كتابي لأن الأسرة الهاشمية تملك بالواقع جزءاً كبيراً من حياة كل أردني، ولكل أردني قصة معها. فالمليك الراحل هو ذاكرتنا ووجداننا الذي لا يغيب، والملك المعزز هو أمننا واستقرارنا، ومليكتنا هي أم المبادرات والإنسانية التي نراها في كل بيت، وولي العهد هو أمل الغد الذي نرى فيه أنفسنا وأبناءنا، لم أفرد لهم مساحة مجاملة، بل كتبت عنهم كجزء أصيل من حياتنا الاجتماعية. تشرفت أن أكتب عنهم نيابة عن كل أردني محب لبلده ولعائلته الكبيرة.
من أين تستلهمين الأحداث والأبطال؟
أنا لا أخترع، أنا ألتقط، بطل قصصي من الممكن أن يكون سائق تاكسي سمعت جملته، أو امرأة في طابور مخبز، أو خبر صغير قرأته ومر عليه الجميع. ولكن العلاقات الاجتماعية المتعددة من الأصدقاء والأهل هي الفكرة الملهمة والمسيطرة لي، لذا جعلت السرد لجميع القصص على لسان بطلة واحدة، هي حقيقية ووهمية في نفس الوقت؛ حقيقية لأن الأحداث سمعتها من أكثر من بطلة، ووهمية لأن سرد المجموعة كاملة كان على لسان شخصية واحدة.
ما الذي يميز «فضفضة» عن مجموعاتك القصصية السابقة مثل (أوراق مبعثرة)؟
«ما يميزها أن أسلوبها السردي جديد كلياً على كتبي، مجموعاتي السابقة كانت عبارة عن صور للحياة، قصص قصيرة منفصلة، كل قصة ببطلة مختلفة، أما «فضفضة» فهي مخاطرة محسوبة، هي ليست مجموعة قصص قصيرة بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب للسيرة الذاتية السردية. بطلة واحدة بلا اسم تحكي عشرين حكاية، بصوت واحد وخيط واحد يجمعها. كأنك تجلسين مع امرأة واحدة تفضفض لكِ عن حياتها كلها. لذلك هي ليست مجرد قصص، بل هي سيرة روح واحدة مقسمة إلى عشرين فضفضة».
ما الصعوبات التي واجهتك كونها 20 حكاية بنهايات مختلفة؟
الصعوبة في الرواية أنك تحافظ على نفس طويل، أما في المجموعة القصصية فالصعوبة أنك تقطع الأنفاس وتبدأ من جديد في كل مرة. كل قصة لها مزاجها الخاص، ونكهتها المتفردة، لغتها، بطلها، ونهايتها. التحدي الأكبر كان ألا تشبه تلك القصص بعضها، وألا أكرر نفسي فيها، وأن أجعل القارئ رغم اختلاف العوالم يشعر أن هناك خيطاً واحداً يجمع تلك القصص».
بعد رواية «شروق غزة 2030» هل استعنتِ بأبطال حقيقيين؟
بعد رواية (شروق غزة 2030) تعلمت أن البطل الحقيقي أكبر من أن تحبسه في قصة، في الرواية كنت مضطرة لتوثيق مكاناً وزمناً، أما في القصص فكنت حرة بشكل أكبر. بالتأكيد هناك أرواح حقيقية عبرت بين السطور، أشخاص قابلتهم، لكني لا أنقلهم كما هم، إنما أستعير منهم شعوراً خفياً، أو جملة علقت في ذهني. كل أبطال المجموعة حقيقيون من حيث الإحساس، وخياليون من حيث الحكاية، وهذا ما يحميهم ويحميني. رواية (شروق غزة 2030) كانت تسأل عن المستقبل، أما هذه المجموعة فهي محاولة للإجابة عن الحاضر، غزة علمتني أن الحكاية الكبيرة موجودة في التفاصيل الصغيرة.
كم احتاجت منك «فضفضة» من وقت؟
«المجموعة لم تُكتب في سنة أو سنتين، هي تراكم لسنوات، فالقصة القصيرة تخدعك، تظن أنها سريعة لأنها قصيرة، لكنها في الحقيقة تحتاج وقت تخمير طويلا، بعض القصص كتبتها في يوم، وبقيت أكثر من أسبوع أهذبها، وبعضها أخذ مني وقتاً أطول.
«فضفضة» ليست نهاية حكاية، بل بدايتها، فبعد أن سألت في «شروق غزة 2030» عن مستقبل وطن، قررت في «فضفضة» أن أوثق حاضر إنسان، هي مرآة لكل امرأة وجدت نفسها يوماً بين حكاية أب وقور، ودعاء أم، وذاكرة مليك، وحلم ولي عهد، لتقول في النهاية: إننا جميعاً أبطال حكايات صغيرة، لكنها حين تُجمع، تصبح هي الوطن.