النموذج التنموي جزء من هوية أي دولة، ويمكن أن تلمحه من خلال بنيتها التحتية والحلول التي تقدمها لتحسين حياة مواطنيها. ولا يوجد نموذج تنموي واحد يناسب الجميع، فبعض البلدان تستعرض بناياتها الشاهقة بوصفها إعلانًا عن نموذجها التنموي، في الوقت الذي يندر فيه تقريبًا أن تجد بناءً مرتفعًا في بلد مثل سويسرا، المتقدمة على مختلف المستويات التي تقيس الازدهار الاقتصادي وجودة الحياة. ربما لأنها عبرت مرحلة التنمية بوصفها "فعلًا مضارعًا"، لتصبح التنمية فيها "حالًا قائمًا".
هذه الفكرة ربما تصبح ضرورية في التأمل عند الحديث عن خطاب العرش الأخير لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، حيث يظهر مفهوم التنمية التي تتركز حول الإنسان، بمعنى أن معيارها يصبح العائد الفعلي على المواطن، من خلال مجموعة من المحاور التي تشكل مؤشرات قياس ضمنية، مثل المستوى المعيشي وفرص التشغيل والمشاركة والتعليم والعلاج. ويضيف الخطاب الملكي إلى هذه المعايير بعد الاستدامة، بمعنى شمول الأجيال القادمة بثمار التنمية ونتائجها، وضمان ألا تكون المكاسب التي تتحقق اليوم على حساب الفرص المتاحة أمامها في المستقبل.
لم يدخل الأردن سباقًا حول الصروح الكبرى، ولم يكن يومًا منشغلًا بالأعلى بنيانًا أو الأوسع مساحة. وعلى العكس من ذلك، كانت الفكرة هي الوصول إلى القرى البعيدة من خلال خدمات التعليم، وتوفير البنية الصحية في المواقع الأقرب إلى المواطنين، بما يجعل التنمية مرتبطة بقدرة الدولة على الوصول إلى الناس قبل تشييد المعالم الكبرى، وقد شكل هذا التوجه جانبًا مهمًا من هوية النموذج التنموي الأردني، لكن هذا النموذج يبدو اليوم أيضًا بحاجة إلى مراجعة أمام التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد والمجتمع.
ينعطف الخطاب الملكي لتناول فكرة المشاريع الكبرى بما يخدم الغاية الأساسية المرتبطة بمعيشة المواطن ومستقبل أبنائه، لأن الوقت أصبح ضروريًا للانتقال إلى هذه المشروعات الاستراتيجية من غير التوجه إلى مظهرية الإنجاز بقدر ما تكون هذه المشروعات استجابة للتحديات الماثلة أمام الأردن.
تسعى هذه الرؤية إلى تمهيد المشهد لتوسع الاقتصاد وتعزيز استدامة الخدمات التي تقدم للمواطنين، وآخر ما تفكر فيه هو إثراء المشهد العمراني، والمعيار لأولوية المشاريع هو عائدها الاقتصادي والاجتماعي وقدرتها على توليد القيمة المضافة خلال العقود القادمة، ولذلك تأتي المياه في ذروة الاهتمام، ويكرر الملك كلمة المياه ثلاث مرات، بما يعكس مكانتها في المعادلة التنموية الأردنية.
ليست المياه مجرد خدمة أساسية، وإنما هي أحد القيود التي تحدد قدرة الاقتصاد على النمو، وتؤثر في الاستثمار والزراعة والصناعة ومستقبل المدن، فضلًا عن انعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين. والمستجد في هذا السياق ليس محدودية الموارد المائية، التي عانى منها الأردن طويلًا، وإنما تزايد الاحتياجات في ظل هذه المحدودية، وما يرافق ذلك من ضرورة تأمين موارد إضافية تضمن استدامة الإمدادات المائية في المستقبل.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع ارتباط الموارد المائية بمنظومة جيوسياسية يسعى الأردن إلى التعامل معها مستقبلًا، وتفويت أي فرصة لتحولها إلى أداة ضغط تجاهه.
وهنا يصبح الاستثمار في المياه أبعد من كونه استجابة لحاجة خدمية، ليغدو استثمارًا في استقلال القرار الوطني وفي قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو من دون أن تظل موارده الأساسية عرضة للقيود والضغوط.
ضمن هذه الرؤية لا تغدو المشروعات الكبرى التي تستهدف تأمين المياه مجرد أعباء مالية بقدر ما تمثل استثمارات في استدامة النموذج التنموي نفسه، ولذلك، يصبح هذا النموذج أمام ضرورة مراجعة لا تطال غاياته وافتراضاته الأساسية المتركزة حول الإنسان، وإنما الأدوات والاستثمارات اللازمة لضمان استدامته.
فالوصول إلى المواطن من خلال التعليم والصحة والخدمات الأساسية يظل ضرورة قائمة، لكن المحافظة على هذه المكتسبات وتطويرها تتطلب استثمارات في البنية التحتية الاستراتيجية التي تتيح للدولة مواصلة تقديم خدماتها، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على توليد فرص العمل والدخل.
بدورها تلتقط الحكومة هذا الخطاب في محتواه وفحواه، فرئيسها كان قريبًا من الملك لسنوات، والحديث عن ضرورة مراجعة النموذج التنموي كان حاضرًا على الدوام. لكن المطلوب حاليًا من السلطة التنفيذية هو ترجمة ذلك الخطاب من خلال خطوات عملية، وبعضها يجب أن يكون مبتكرًا بالفعل، وليس مجرد استجابة لعبارة "خارج الصندوق، فالمراجعة المطلوبة تكتمل بإعادة صياغة الأولويات، وتحديد المشروعات التي تستحق الاستثمار، وتقدير عوائدها وكلفتها، وتوفير التمويل المناسب لها، وربط تنفيذها بجدول زمني واضح، مع قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين وقدرة الاقتصاد على النمو.
وعلى ذلك، فإن الأردن عليه أن يستعيد جانبًا من خبراته التي تأسست في سياق نموذجه التنموي، من خلال مستشارين ومهنيين أردنيين في مختلف القطاعات، وأن يستثمر علاقاته الطيبة مع دول شريكة وصديقة للحصول على الدعم المعرفي بجانب الدعم المادي، فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في نقص التمويل وحده، وإنما في القدرة على تحويل التمويل إلى مشروعات ذات جدوى، وفي امتلاك المعرفة اللازمة لتصميمها وإدارتها وتقييم نتائجها. والخبرات الأردنية المتراكمة، داخل المؤسسات الوطنية وخارجها، يمكن أن تشكل رصيدًا مهمًا في هذا المجال إذا جرى توظيفها ضمن رؤية واضحة تتجاوز الاستشارات العابرة تجاه منظومة متكاملة من العمل الحكومي والأهلي المتضافر تجاه تحقيق مصلحة الأردن والأردنيين.
الخطاب الملكي هو رسالة توجه للحكومة من جديد، وتضعها أمام مسؤولياتها، بجانب ما حملته لمجلس الأمة من مسؤوليات ودعوة للارتقاء بالسلوك والخطاب وتجويده، ومن ذلك الانفتاح على تشاركية واسعة مع المواطنين والهيئات الوطنية المختلفة سواء داخل الحكومة أو المعارضة أو المجتمع الأردني ككل بثرائه على مستوى التنمية البشرية.