أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا ذا حدين في عالم البحث العلمي؛ فبينما يفتح آفاقا واسعة أمام الباحثين لتطوير المعرفة وتسريع الاكتشافات، تستغله جهات أخرى لإنتاج أبحاث مزيفة، وتلفيق بيانات ومراجع وصور علمية يصعب التمييز بينها وبين المواد الأصلية، في ظاهرة تهدد مصداقية الإنتاج العلمي وثقة المجتمع بالعلم.
ومع الانتشار الواسع للنماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات، بات إعداد دراسة تبدو علمية ومتكاملة أقل تكلفة وأكثر سرعة من أي وقت مضى. ولم تعد عمليات التزوير تقتصر على كتابة نصوص ضعيفة أو نسخ أبحاث سابقة، بل امتدت إلى اختلاق مراجع علمية وبيانات تجريبية وصور مخبرية تبدو واقعية.
وتؤكد أستاذة الفيزياء الحيوية الطبية بكلية العلوم في جامعة القاهرة، الدكتورة هبة فهمي، أن من أبرز مظاهر هذه الأزمة ظهور ما يعرف بـ«المراجع الوهمية»، إذ تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي أحيانا إحالات إلى دراسات ومصادر غير موجودة، لكنها تبدو للقارئ وكأنها مراجع علمية حقيقية. وقد تزايدت البلاغات المتعلقة بهذا النوع من المخالفات بالتزامن مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.
ولا تتوقف المشكلة عند المراجع والنصوص، بل تشمل الصور العلمية المستخدمة لإثبات نتائج التجارب، خصوصا في المجالات الطبية والبيولوجية. فقد أصبحت بعض الصور المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي شديدة الشبه بالصور الحقيقية، الأمر الذي يجعل اكتشاف التلاعب أكثر صعوبة، حتى إن بعض المجلات العلمية المرموقة اضطرت إلى سحب مواد منشورة بعد الكشف عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تعديل صورها.
مصانع الأبحاث تستغل التكنولوجيا
يشير أستاذ التواصل العلمي المساعد في جامعة فاغينينغين، الدكتور نيلز ميد، إلى وجود مؤشرات على مساهمة أدوات الذكاء الاصطناعي في زيادة إنتاج الأبحاث المزيفة أو منخفضة الجودة، مع صعوبة تحديد الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة بدقة.
وتبرز هنا ظاهرة «مصانع الأبحاث»، وهي جهات تجارية تبيع دراسات جاهزة أو بيانات مفبركة، بل قد تعرض على الباحثين شراء حقوق التأليف وإضافة أسمائهم إلى أبحاث لم يشاركوا في إعدادها. وغالبا ما يستهدف نشاطها الباحثين الذين يواجهون ضغوطا أكاديمية تتعلق بالترقية أو التخرج أو الحصول على التمويل.
وقد ساعد الذكاء الاصطناعي هذه الجهات على تطوير أساليب عملها من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
زيادة الإنتاج وخفض التكاليف: بعدما كانت كتابة الأبحاث المفبركة تعتمد على العمل البشري وتستغرق وقتا طويلا، أصبحت روبوتات المحادثة قادرة على المساعدة في إعداد عشرات المقالات خلال فترات قصيرة، ما وسّع قدرة هذه المصانع على الإنتاج.
التحايل على أدوات الكشف: كانت الأبحاث المزيفة تُكتشف أحيانا بسبب ضعف الصياغة أو تكرار الصور والبيانات، لكن استخدام النصوص والصور المولدة آليا جعل اكتشاف الأنماط التقليدية للتزوير أكثر صعوبة.
استغلال قواعد البيانات المفتوحة: تلجأ بعض الجهات إلى البيانات الصحية والحكومية المتاحة للجمهور لإنتاج دراسات متشابهة، تربط متغيرا واحدا، مثل مستوى فيتامين «دي» أو جودة النوم، بأمراض معقدة كالاكتئاب وأمراض القلب، دون مراعاة كافية لتعدد العوامل المؤثرة في هذه الأمراض.
ولا يقتصر نشاط مصانع الأبحاث على تلفيق الدراسات، بل يشمل أيضا بيع حقوق التأليف والاستشهادات، وتقديم البحث نفسه إلى أكثر من مجلة، والتلاعب بعمليات مراجعة الأقران، وهي ممارسات تقوض أسس النزاهة العلمية.
أرقام تكشف اتساع الأزمة
تكشف بعض الدراسات عن نمو ملحوظ في حجم الأبحاث المشبوهة. فقد رصد باحثون زيادة كبيرة في الدراسات التي تعتمد على قواعد البيانات الصحية الأمريكية المفتوحة؛ إذ ارتفع عدد الأبحاث التي تتبع أنماطا متشابهة في استخدام هذه البيانات من أربعة أبحاث عام 2014 إلى 190 بحثا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024.
كما تشير تقديرات بحثية إلى أن عدد الأبحاث الجديدة المشتبه في ارتباطها بمصانع الأبحاث يتضاعف كل عام ونصف تقريبا، في حين يتضاعف إجمالي الإنتاج العلمي بوتيرة أبطأ بكثير. أما الأبحاث التي تُسحب بعد اكتشاف التلاعب فيها، فيتضاعف عددها كل 3.3 سنوات وفقا لإحدى الدراسات.
وفي مجال أبحاث السرطان، تناولت دراسة منشورة في المجلة الطبية البريطانية عام 2026 أكثر من 2.6 مليون ورقة بحثية، وقدرت أن نسبة الأبحاث المشتبه في ارتباطها بمصانع الأبحاث ارتفعت خلال عقدين من نحو 1% إلى قرابة 16%.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية الأزمة؛ فظاهرة التلاعب بالأبحاث سبقت ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن هذه الأدوات ساعدت على تسريعها وخفض تكلفتها وزيادة صعوبة اكتشافها.
من المسؤول عن حماية العلم؟
ترتبط المشكلة، في جانب كبير منها، بنظام التقييم الأكاديمي الذي يمنح أهمية مفرطة لعدد الأبحاث المنشورة، على حساب قيمتها العلمية وجودتها. فكلما ارتبطت الترقيات والتمويل والفرص المهنية بكثرة النشر، زاد الطلب على الجهات التي تبيع الأبحاث الجاهزة.
وترى الدكتورة هبة فهمي أن مواجهة الأزمة تتطلب تغييرا جذريا في معايير تقييم الباحثين، بحيث تصبح جودة البحث وأصالته وتأثيره أهم من عدد المنشورات.
كما تشمل الحلول تعزيز إجراءات التدقيق داخل المجلات العلمية، والتحقق من صحة المراجع وهويات المؤلفين، وفحص الصور والبيانات باستخدام أدوات متخصصة، إلى جانب تعزيز التعاون بين دور النشر لمواجهة الشبكات التي تنتقل بين المجلات المختلفة.
ومن الحلول المطروحة أيضا إلزام الباحثين بإتاحة البيانات الخام التي استندوا إليها في دراساتهم، بما يسمح للمتخصصين بإعادة تحليل النتائج والتحقق من صحتها، مع تطوير آليات متابعة استخدام قواعد البيانات المفتوحة دون تقييد الاستفادة العلمية منها.
وفي المقابل، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي نفسه في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال رصد المراجع غير الموجودة، واكتشاف التلاعب بالصور، وتحليل الأنماط غير الطبيعية في التأليف والنشر والاستشهادات العلمية.
العلم بين التزوير والتصحيح الذاتي
لا تقتصر خطورة الأبحاث المفبركة على تشويه السجل العلمي، بل تمتد إلى التأثير في القرارات الطبية والصحية والسياسات العامة، إذا استندت جهات أو مؤسسات إلى نتائج غير صحيحة. كما يمكن أن تؤدي هذه الممارسات إلى إضعاف ثقة الجمهور بالمؤسسات العلمية والباحثين.
ويؤكد نيلز ميد أن مواجهة الأزمة لا تتطلب تطوير أدوات الكشف فقط، بل تستلزم أيضا تدريب الباحثين والمحررين والمراجعين على مبادئ النزاهة العلمية، وفرض عواقب واضحة على شراء حقوق التأليف والتلاعب بنتائج الدراسات، فضلا عن دعم الأشخاص الذين يكشفون هذه المخالفات.
وفي الوقت نفسه، فإن الإعلان عن الأبحاث المزيفة وسحبها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره دليلا على انهيار العلم، بل بوصفه جزءا من آليات التصحيح الذاتي التي تحمي المعرفة من الأخطاء والتلاعب.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المختبرات والجامعات، وإنما في توظيفه لتزييف المعرفة وتحويل البحث العلمي إلى سلعة. وما لم تتغير ثقافة «انشر أو اندثر»، وتصبح الجودة والنزاهة أساس التقييم الأكاديمي، سيظل العلم يواجه سباقا مفتوحا بين من ينتجون المعرفة ومن يتاجرون بوهمها.