تحت رعاية دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسّان، وبحضور مندوبه الدكتور عماد حجازين، وزير السياحة والآثار، انطلقت اليوم الخميس، في العاصمة عمّان، أعمال مؤتمر "المعيّة - Togetherness"، تحت عنوان "مسيحيو الشرق: مشاركون في بناء المستقبل"، الذي ينظمه المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بمشاركة شخصيات رسمية وكنسية وأكاديمية من الأردن وعدد من دول الشرق الأوسط وألمانيا.
ويسعى المؤتمر، الذي يستمر يومين، إلى بحث مستقبل الحضور المسيحي في الشرق الأوسط في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، مع التركيز على دور المسيحيين بوصفهم مواطنين فاعلين وشركاء في بناء مجتمعاتهم. كما يهدف إلى نقل النقاش من منطق البقاء إلى المشاركة الفاعلة، ومن الحماية إلى الشراكة، والبحث في سبل تعزيز إسهام المسيحيين في صناعة مستقبل بلدانهم، ودور المجتمع الدولي في دعم هذا الحضور وتمكينه.
وفي كلمته الافتتاحية، دعا الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، الحضور إلى الوقوف لحظة صمت وصلاة عن أرواح الضحايا التسعة الذين قضوا في الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، مستذكرًا أسماءهم واحدًا واحدًا. وأكد أن الاعتداء شكّل صدمة كبرى للأردنيين، فيما عكست مواقف التضامن التي أعقبته قوة الوحدة الوطنية، مشددًا على أن الأردن سيبقى عصيًا على الإرهاب والمؤامرات، بفضل قيادته الهاشمية وقواته المسلحة وأجهزته الأمنية وتماسك أسرته الوطنية الواحدة.
وأكد الأب بدر أن مفهوم "المعية" الذي يحمله المؤتمر ينطلق من الإيمان بأن مستقبل المنطقة مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائها، قائلًا: "لا نستطيع أن نفكر بالمسيحيين لوحدهم، أو بالمسلمين كجزيرة معزولة. نحن نفكر معًا، أن المستقبل لنا جميعًا، ومسؤوليته علينا جميعًا". كما أشاد بالاستعدادات الأردنية لإحياء الذكرى الألفين لعمّاد السيد المسيح عام 2030، داعيًا المشاركين إلى التعريف بالأردن وجهة للحج المسيحي، ومؤكدًا عمق الجذور التاريخية للمسيحيين في المملكة. واستحضر جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في حماية الحضور المسيحي في موطنه الأصلي والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، مشددًا على أهمية الشراكة في بناء مستقبل بلدان الشرق الأوسط.
بدوره، أكد وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين، مندوب رئيس الوزراء، أن المسيحيين العرب مكوّن أصيل من مكونات الحضارة العربية، وشركاء في بناء هويتها الثقافية والإنسانية وإغناء فكرها وصياغة حاضرها واستشراف مستقبلها. وقال إن الأردن جسّد عبر تاريخه نموذجًا راسخًا في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، حيث قامت العلاقة بينهما على الأخوة والانتماء الوطني والمصير المشترك، مؤكدًا أن المواطنة هي الإطار الجامع الذي تتكامل في ظله الهويات، وتُصان فيه الحقوق والواجبات.
وأشار حجازين إلى أن الأردن، في ظل القيادة الهاشمية، واصل ترسيخ هذه الرسالة، إذ جسّد جلالة الملك عبدالله الثاني نهجًا ثابتًا في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وتعزيز الوئام بين أتباع الأديان والدفاع عن قيم السلام والتفاهم. كما يواصل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني دعم مشاركة الشباب وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية والإسهام في بناء مستقبل يقوم على سيادة القانون وتكافؤ الفرص والشراكة.
وأوضح أن السياحة ليست مجرد انتقال بين الأمكنة أو زيارة للمعالم، بل جسر للتواصل بين الشعوب وأداة للتعارف وتعميق الاحترام المتبادل، لافتًا إلى المكانة الرفيعة التي يحتلها الأردن في التاريخ المسيحي، وفي مقدمة شواهده موقع عماد السيد المسيح في المغطس، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلى جانب جبل نيبو ومكاور والكنائس والمواقع التاريخية الأخرى. ولفت إلى أن الاستعدادات للاحتفاء عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في موقع المغطس تكتسب أهمية تتجاوز حدود الاحتفال بمناسبة تاريخية، إذ تمثل فرصة لتقديم الأردن إلى العالم من خلال إرثه المسيحي الأصيل وتجربته في العيش المشترك ودوره في تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
من جانبه، أعرب السفير الألماني لدى الأردن الدكتور بيرترام فون مولتكه عن إدانته الشديدة للاعتداء الإرهابي الذي استهدف المشاركين في جنازة ببلدة حمود في محافظة الكرك، مقدمًا تعازيه لأسر الضحايا وذويهم. وأشاد بمظاهر الوحدة والتضامن التي أبداها الأردنيون، بمن فيهم جلالة الملك والعائلة الهاشمية، مؤكدًا أنها تعكس روح التماسك الاجتماعي التي جعلت من الأردن نموذجًا للتسامح في المنطقة. وأشار إلى أنه زار بلدة حمود خلال الأسبوع الحالي لتقديم التعازي، حيث لمس بنفسه صمود المجتمع المحلي وتضامن الأردنيين، مشددًا على ضرورة عدم السماح للكراهية والعنف بإثارة الانقسام وتهديد العيش المشترك، ومؤكدًا تضامن ألمانيا مع الحكومة والشعب الأردني في هذه الظروف الصعبة.
وأكد السفير الألماني أهمية المبادرات التي تتيح مساحات آمنة للحوار حول حاضر مجتمعات الشرق الأوسط ومستقبلها ودور الجماعات المسيحية فيها، مشيرًا إلى أن تعزيز الحوار بين الأديان والتسامح الديني يشكّل جانبًا مهمًا من العلاقات الألمانية الأردنية. وأشاد بجهود جلالة الملك عبدالله الثاني في ترسيخ الوئام بين مختلف الجماعات الدينية، لافتًا إلى أن المؤتمر يدعو إلى التفكير في الدور الذي يستطيع المسيحيون الاضطلاع به في صياغة مستقبل المجتمعات التي يعيشون فيها. وشدد على أن المستقبل الأفضل للمسيحيين في الشرق الأوسط لا يتحقق بالانتقام، بل بالمشاركة الواعية والحازمة في تنمية مجتمعاتهم، والانتقال من مجرد الاستجابة للتغيرات الاجتماعية إلى الإسهام الفاعل في تشكيلها.
بدوره، أشاد مفوض الحكومة الاتحادية الألمانية لحرية الدين أو المعتقد، عضو البرلمان الاتحادي الألماني (البوندستاغ)، توماس راهل، بجهود جلالة الملك عبدالله الثاني في الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، معربًا عن تقديره لهذه الجهود، ولا سيما في منطقة يمكن أن تتحول فيها الأماكن الدينية إلى رموز للتراث المشترك والمواجهة السياسية. وأكد أن الأردن يشكّل مكانًا مناسبًا لمناقشة مستقبل الحضور المسيحي في الشرق الأوسط، نظرًا إلى جذوره المسيحية العريقة وإسهامات المسيحيين في الحياة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن المملكة تواصل تقديم نموذج يؤكد إمكانية التوفيق بين التنوع الديني والانتماء الوطني.
وأكد راهل أن المسيحيين في الشرق الأوسط ليسوا مجرد جماعات ينبغي الحفاظ على وجودها، بل مواطنون وشركاء أصيلون في تاريخ بلدانهم وحاضرها ومستقبلها، مشددًا على أن الحرية الدينية حق إنساني عالمي يجب حمايته للجميع دون تمييز. وتناول التحديات التي تواجه الجماعات المسيحية في سوريا والعراق ولبنان ومصر، مؤكدًا أهمية المواطنة المتساوية وسيادة القانون ومواجهة العنف والتمييز. كما شدد على أن الحوار بين الأديان أداة عملية لمنع النزاعات وتعزيز التعاون، وأن مستقبل الشرق الأوسط يجب أن يصوغه أبناء المنطقة أنفسهم، بما يتيح للمسيحيين المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعاتهم، والعيش في أوطانهم بأمن وحرية وكرامة.
وتخلل جلسة الافتتاح، التي أدارتها فيرونيكا إرتل، الممثلة المقيمة لمؤسسة كونراد أديناور في الأردن، عرض فيلم قصير من إعداد المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام. كما كرّم المركز الكاثوليكي المهندس رستم مكجيان، المدير العام السابق لموقع المعمودية (المغطس)، عربون وفاء وتقدير لعمله الدؤوب على مدار ربع قرن من العطاء في إدارة الموقع والتعريف بأهميته الدينية والتاريخية، حيث سلّمه درع المركز السفير البابوي المطران جيوفاني دال توزو، بحضور مدير المركز الأب رفعت بدر. كذلك قدّم معالي الأستاذ حبيب أفرام، مستشار فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، هدية تذكارية من لبنان إلى المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، تعبيرًا عن أواصر المحبة والأخوة بين البلدين الشقيقين.
جلسات المؤتمر
وتضمن اليوم الأول من المؤتمر ثلاث جلسات حوارية، تحمل الأولى عنوان "معًا رغم اختلاف الطوائف: الوحدة المسيحية كقوة للمستقبل"، ويتحدث فيها الأب الدكتور باسم الراعي، الأستاذ في الجامعة اللبنانية والمحاضر في جامعة القديس يوسف في بيروت، والدكتورة فيولا الراهب، مديرة البرنامج في مؤسسة برو أورينته، والدكتور جورج طريف، المؤرخ والمحاضر السابق في الجامعة الأردنية، ويديرها عمر عبوي، المدير التنفيذي لكاريتاس الأردن.
أما الجلسة الثانية، فتحمل عنوان "معًا عبر الحدود: الشتات المسيحي كجسر نحو هوية مستقبلية عابرة للحدود"، ويتحدث فيها الأب الدكتور ألبير هشام نعوم، مدير المكتب الإعلامي للبطريركية الكلدانية في العراق، والأستاذة الدكتورة لارا حنا وكيم، المنسقة الوطنية في لبنان لتحالف "الإيمان من أجل الأرض" التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والدكتور برنارد سابيلا، المدير التنفيذي السابق لدائرة خدمة اللاجئين الفلسطينيين في مجلس كنائس الشرق الأوسط، ويديرها الدكتور بدر الماضي، الأستاذ المساعد في الجامعة الألمانية الأردنية.
وتُعقد الجلسة الثالثة بعنوان "معًا من أجل الصالح العام: رؤية جديدة للشراكة المسيحية–الإسلامية"، بمشاركة النائب كبرييل موشي كوريه، عضو مجلس الشعب السوري ورئيس المنظمة الآشورية الديمقراطية، والدكتورة وديعة خوري، الأستاذة المشاركة والباحثة في جامعة القديس يوسف والجامعة اللبنانية، والدكتور جمال الشلبي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية، ويديرها الدكتور عامر الحافي، المستشار الأكاديمي في المعهد الملكي للدراسات الدينية.
ويُخصّص اليوم الثاني من المؤتمر، الجمعة 30 تشرين الأول، لعقد جلستي عمل بمشاركة شخصيات كنسية وأكاديمية وفكرية من عدد من الدول العربية. ويشارك في الجلسة الأولى المطران إياد الطوال، النائب البطريركي للاتين في الأردن، والدكتورة هبة مكرم شروبيم، عضو مجلس الشيوخ المصري، والأستاذ حبيب أفرام، مستشار رئيس الجمهورية اللبنانية لشؤون حقوق الإنسان وحوار الأديان ورئيس الرابطة السريانية، فيما تدير الجلسة الأستاذة الدكتورة عبير دبابنة من الجامعة الأردنية.
أما الجلسة الثانية، فيشارك فيها المطران حنا جلوف، النائب الرسولي للاتين في حلب، والدكتور سعد سلوم، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ومدير مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية في العراق، والدكتور برنارد سابيلا، ممثلًا عن فلسطين، فيما تديرها الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار، الأمين العام بالإنابة لمنتدى الفكر العربي.