في غضون 12 دقيقة فقط، تحوّل هيكل ديناصور عاش قبل نحو 67 مليون سنة إلى واحدة من أغلى الحفريات في العالم، بعدما بيع مقابل 47.3 مليون دولار في مزاد أقامته دار سوذبيز بمدينة نيويورك، متجاوزًا بفارق كبير التقديرات الأولية التي تراوحت بين 6 و9 ملايين دولار.
لكن القيمة الاستثنائية للهيكل المعروف باسم «جودي» لا تتوقف عند سعره القياسي، بل تمتد إلى ندرته وأهميته العلمية، فضلًا عن الجدل بشأن مصير الحفريات التي قد تنتقل من المؤسسات العلمية إلى المجموعات الخاصة.
اكتشاف نادر في ولاية مونتانا
بدأت قصة «جودي» عام 2019، عندما عُثر على الهيكل في أرض مزرعة تملكها جودي بيرسون بولاية مونتانا الأمريكية، ضمن تكوين هيل كريك الجيولوجي، الذي يشتهر باحتوائه على حفريات تعود إلى أواخر العصر الطباشيري.
وينتمي الهيكل إلى ديناصور «نانوتيرانوس» (Nanotyrannus)، وهو ديناصور لاحم يشبه التيرانوصور ركس، لكنه أصغر حجمًا وأكثر رشاقة. ويبلغ طول الهيكل نحو 6 أمتار، وتُقدّر نسبة اكتماله بنحو 70%، إذ يضم قرابة 191 عظمة متحجرة.
وتزداد أهمية هذه الحفرية بسبب ندرتها، إذ تشير التقارير إلى أنها واحدة من ثلاثة هياكل كبيرة معروفة لهذا الديناصور. وقد أُطلق عليها اسم «جودي» تكريمًا لصاحبة المزرعة التي اكتُشفت فيها.
لغز علمي زاد قيمتها
لسنوات طويلة، انقسم العلماء حول حقيقة النانوتيرانوس: هل هو نوع مستقل من الديناصورات، أم أنه مجرد مرحلة عمرية صغيرة من التيرانوصور ركس؟
فبينما رأى فريق من الباحثين أن الاختلافات في الحجم والبنية تعود إلى النمو، اعتبر آخرون أن الخصائص التشريحية تشير إلى أنه جنس منفصل عاش بالتزامن مع التيرانوصور ركس قبل نحو 67 مليون سنة.
وفي عام 2025، أعادت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر» إشعال هذا الجدل، بعدما خلص باحثون إلى وجود اختلافات تدعم اعتبار النانوتيرانوس ديناصورًا مستقلًا، استنادًا إلى مقارنات تشريحية وتحليلات لخصائص العظام والنمو.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط أهمية «جودي»: فهي ليست مجرد هيكل نادر، بل عينة قد تساعد في توضيح تنوع الديناصورات اللاحمة في نهاية العصر الطباشيري، وتطوير فهم العلماء لتطورها وعلاقاتها ببعضها.
مزاد قياسي في 12 دقيقة
في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تنافس ستة مزايدين على الهيكل في مزاد سوذبيز بنيويورك، قبل أن يحسم مشترٍ لم تُكشف هويته الصفقة مقابل 47.3 مليون دولار، بعد عروض عبر الهاتف والإنترنت.
وجاء السعر النهائي أعلى بأكثر من خمسة أضعاف من الحد الأعلى للتقديرات الأولية، ليصبح «جودي» ثاني أغلى هيكل ديناصور يُباع في مزاد، وفقًا للتقرير، خلف هيكل تيرانوصور ركس يُعرف باسم «غاس»، بيع مقابل 50.1 مليون دولار في وقت سابق من العام نفسه.
ورغم ضخامة الصفقة، لا تزال خطط المالك الجديد غير معلنة، سواء بشأن عرض الهيكل للجمهور أو السماح للباحثين بدراسته.
من يملك حق الاحتفاظ بالحفريات؟
أعاد بيع «جودي» فتح النقاش حول مصير الحفريات النادرة، خصوصًا عندما تنتقل إلى ملكية خاصة، بعيدًا عن المتاحف والمؤسسات البحثية.
ويحذر علماء حفريات من أن احتفاظ الأفراد بعينات استثنائية قد يحد من إمكانية وصول الباحثين إليها، ويصعّب إجراء الدراسات اللازمة لفهم تطور الأنواع ومراجعة الاستنتاجات العلمية. فالقيمة الحقيقية للحفرية لا تُقاس بندرتها وسعرها فحسب، بل أيضًا بالمعلومات التي يمكن أن تكشفها عن تاريخ الحياة على الأرض.
في المقابل، يرى مؤيدو تجارة الحفريات أن العثور عليها واستخراجها وترميمها يتطلب خبرات متخصصة وتكاليف مرتفعة، وأن بيعها قد يوفر عائدًا للمكتشفين والمالكين الذين يسهمون في الحفاظ عليها وإتاحتها.
ومع ذلك، فإن انتقال «جودي» إلى ملكية خاصة لا يعني بالضرورة حرمان العلماء والجمهور منها، إذ لم يُعلن المشتري حتى الآن عن خططه المستقبلية.
وبين قيمتها المالية الهائلة وأهميتها العلمية، تظل «جودي» مثالًا واضحًا على الجدل حول تجارة الحفريات النادرة، والحق في الاحتفاظ بأدلة ثمينة تكشف أسرار الحياة على الأرض.