وفي الطريق إلى إعادة بناء مفهوم الوطن والأمة، لا بد من إنجاز خطوات كثيرة، أولها أن ننظر جميعاً إلى خطر التكفير نظرة جديدة، تتصف بالشمول الذي يحررنا من أسر المذهب والطائفة والجغرافيا، وهو الأسر الذي فتتنا وسهّل على القوى المعادية وفي طليعتها تنظيمات التكفير التي ثبت ارتباطها بقوى استعمارية، وهذه التنظيمات تقوم نيابة عن القوى الاستعمارية، بمهمة مواصلة إضعافنا وذبحنا، دون أن ندرك أن التكفيري وهو يقتل المسيحي ويشرده من أرضه، لن يتردد في قتل المسلم وتشريده وترحيله عن أرضه أيضاً، وقد فعل ذلك وما يزال، وأن هذا التكفيري الذي يُكفر الشيعي ليقتله لن يتردد في تكفير السني ليقتله أيضاً، وقد فعل ذلك وما يزال، وأن هذا التكفيري الذي فجر في العراق فقتل المسلم الشيعي والسني، وكذلك فعل مع المسيحي والأزدي والصابئي لن يتردد عن تفجير السوري مسلماً شيعياً كان أم سنياً، وهو لن يتردد بقتل العلوي أو الدرزي، مثلما لن يتردد بقتل المسيحي، سواء كان هؤلاء عرباً أو كرداً أو تركماناً، وقد فعل ذلك وما يزال، وهو أيضا لن يتردد بأن يفعل ذلك في ليبيا واليمن ومصر ولبنان والسعودية والأردن وقد فعل ذلك وما يزال، مما يعني أنه يستهدف الأمة بكل مكوناتها، وبكل أديانها ومذاهبها وطوائفها، لذلك فإن على الأمة بكل مكوناتها أيضاً أن تنسى خلافاتها وتتوحد في وجه هذا الخطر الوجودي الذي يهدف إلى اجتثاثها، باعتبارها مجتمعاً كافراً يجوز قتل وحرق رجاله، وسبي نسائه وبيعهن في أسواق النخاسة، في أبشع ممارسة حضارية تستوجب مواجهتها بنهوض حضاري نتجاوز فيه خلافاتنا، وهذه خطوة لا بد منها على طريق الوصول إلى هدف إعادة بناء مفهوم الوطن على أساس المواطنة القائمة على التعددية والتنوع والتعارف والتقارب، والتقريب وفق نواميس الحياة التي وضعها لنا خالق هذه الحياة القائل: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"، والقائل: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".