أصبحت مصطلحات مثل «النرجسية» و«العلاقات السامة» و«الصدمة النفسية» جزءا من الأحاديث اليومية، لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يلجأ كثيرون إلى استخدامها لتفسير مشاعرهم وفهم سلوك الآخرين، خصوصا في العلاقات العاطفية والأسرية.
ورغم أن انتشار المحتوى المتعلق بالصحة النفسية أسهم في زيادة الوعي بالاضطرابات النفسية، وشجّع على التعبير عن المشاعر والتعرف إلى السلوكيات المؤذية، فإن الاستخدام المفرط لهذه المصطلحات خارج سياقها العلمي قد يحوّلها إلى أحكام جاهزة، ويؤدي إلى تبسيط تجارب إنسانية معقدة.
لغة العلاج النفسي.. بين الوعي والمبالغة
يشير مصطلح «لغة العلاج النفسي» (Therapy Speak) إلى استخدام المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بالصحة النفسية في الحياة اليومية، وهو اتجاه عززته منصات التواصل الاجتماعي، التي أتاحت انتشار هذه المفردات على نطاق واسع، وأحيانا بمعانٍ تختلف عن تعريفاتها العلمية الأصلية.
وقد ساعد هذا الانتشار أشخاصا كثيرين على فهم تجاربهم والتعبير عن مشاعر لم يتمكنوا سابقا من وصفها، كما شجعهم على وضع حدود صحية في علاقاتهم وطلب المساعدة عند الحاجة.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي الإفراط في استخدام المصطلحات النفسية إلى تشخيص الذات أو الآخرين دون أسس علمية، فضلا عن التقليل من خطورة الاضطرابات النفسية الحقيقية عندما تُستخدم أسماؤها لوصف مواقف يومية عابرة.
وفي حديث للجزيرة نت، أوضحت الدكتورة رانيا الشال، استشارية الأمراض العصبية والطب النفسي والرئيسة السابقة لقسم المخ والأعصاب بمستشفى المنصورة التخصصي، أن تنامي الوعي النفسي يمثل خطوة إيجابية تساعد الأفراد على فهم حقوقهم وواجباتهم، والتعرف إلى السلوكيات المؤذية، والتعامل معها بصورة أكثر وعيا.
كما أشارت إلى أهمية المحتوى النفسي الموثوق القائم على أسس علمية في نشر الثقافة النفسية والحد من الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي، لافتة إلى أن المعلومات المتاحة عبر المنصات الرقمية دفعت بعض الأشخاص إلى طلب المساعدة المتخصصة، وساعدت آخرين على مراجعة علاقاتهم والبحث عن حلول للمشكلات التي يواجهونها.
التشخيص الذاتي.. حين تصبح مقاطع الفيديو بديلا عن المختص
قد يدفع مقطع قصير بعنوان «خمس علامات تؤكد أنك في علاقة مع شخص نرجسي» المشاهد إلى تفسير تصرفات شريكه أو أحد أفراد أسرته بناء على قائمة من العلامات، دون التحقق من مدى انطباقها عليه أو فهم السياق الذي تظهر فيه.
وتكشف دراسة منشورة عام 2025 عن جانب من هذه الظاهرة، إذ بحثت تجارب أكثر من 50 شخصا كانوا بصدد تلقي خدمات متخصصة للصحة النفسية، وسبق لهم الاطلاع على محتوى نفسي عبر الإنترنت. ووجد الباحثون أن معظم المشاركين اعتقدوا أنهم يعانون اضطرابا لم يشخّصه لديهم متخصص من قبل، وأن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تكوين هذه الاعتقادات لدى معظمهم.
وفي هذا السياق، أوضحت الشال أنها صادفت حالات تأثرت بالمعلومات النفسية المتداولة عبر الإنترنت، مؤكدة ضرورة مراجعة المتخصصين للحصول على تشخيص دقيق.
وأضافت أن التشخيص النفسي لا يعتمد على مقطع فيديو أو مجموعة من العلامات العامة، بل يتطلب الاستماع إلى الأعراض، ومراجعة التاريخ المرضي والعائلي، وتقييم الحالة لتحديد الخطة العلاجية المناسبة.
«النرجسية» و«التروما».. مصطلحات تفقد دقتها
يُعد وصف شخص بأنه «نرجسي» من أكثر التعبيرات انتشارا في النقاشات المتعلقة بالعلاقات. لكن وجود بعض السمات النرجسية لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، الذي يرتبط بنمط مستمر من الشعور بالعظمة، والحاجة المفرطة إلى الإعجاب، وضعف التعاطف مع الآخرين.
ووفقا للجمعية الأمريكية لعلم النفس، لا يكفي ظهور بعض هذه السمات للحكم بوجود اضطراب؛ إذ يتطلب الأمر النظر إلى استمرارها، ومدى جمودها وتأثيرها في قدرة الشخص على التكيف وأداء وظائفه، وما تسببه من معاناة أو قصور ملحوظ.
وينطبق الأمر نفسه على مصطلح «التروما»، الذي يُستخدم للإشارة إلى الصدمة النفسية الناتجة عن تجربة مؤلمة قد تثير الخوف أو العجز أو الارتباك، وتترك آثارا طويلة الأمد في سلوك الفرد أو نظرته إلى الحياة.
لكن المصطلح بات يُستخدم أحيانا لوصف تجارب يومية متفاوتة، بدءا من المواقف المحرجة والخلافات العاطفية وصولا إلى الأحداث شديدة القسوة، وهو ما قد يطمس الفروق بين التجارب المؤلمة والآثار النفسية التي تستدعي تقييما متخصصا.
ولا يعني ذلك التقليل من مشاعر الأشخاص أو إنكار معاناتهم، بل ضرورة التمييز بين وصف تجربة مؤلمة وبين إطلاق مصطلح سريري له دلالات محددة.
كيف نستخدم المصطلحات النفسية بوعي؟
يتطلب التعامل المسؤول مع المحتوى النفسي التحقق من مصادره، والتمييز بين المعلومات التي يقدمها المختصون وما يتداوله صناع المحتوى دون الاستناد إلى أدلة علمية.
كما يُنصح بتقليل متابعة الحسابات التي تفسر الخلافات اليومية باعتبارها مؤشرات مؤكدة على اضطرابات نفسية، والانتباه إلى اللغة المستخدمة عند وصف الذات أو الآخرين، وتجنب تحويل المصطلحات التشخيصية إلى نعوت أو أحكام نهائية.
ومن المهم أيضا مساندة الأشخاص الذين يواجهون مشكلات نفسية، وتوجيههم إلى مصادر الدعم المناسبة بدلا من الاكتفاء بتقديم تشخيصات غير متخصصة.
وتؤكد الشال أن البداية تكون بعدم تصديق كل ما يُنشر، والتحقق من المعلومات قبل تبنيها، مع اللجوء إلى طبيب نفسي متخصص عند الشك في وجود أعراض تستدعي التقييم، سواء لدى الشخص نفسه أو لدى أحد المقربين منه.
في النهاية، يمكن للوعي النفسي أن يساعدنا على فهم أنفسنا والآخرين، والتعرف إلى الفارق بين الخلافات الطبيعية والسلوكيات المؤذية. غير أن هذا الوعي يفقد قيمته عندما تتحول المصطلحات العلمية إلى أحكام سريعة، أو يصبح كل خلاف اضطرابا، وكل تجربة مؤلمة صدمة نفسية بالمعنى السريري.