ولعلّ أبرز ما تكشفه المحن هو حقيقة المجتمعات؛ إذ لا تُقاس قوة الأوطان بغياب الأزمات عنها، فذلك أمر لا تملكه أي دولة، وإنما تُقاس بقدرتها على التعامل مع الأزمات، واحتواء آثارها، ومنعها من التحول إلى عوامل فرقة وانقسام. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في مثل هذه الظروف لا يكون على حجم الصدمة التي يتعرض لها المجتمع، بل على وعي أبنائه وقدرتهم على التمييز بين الجريمة ومن يحاول توظيفها، وبين الفعل الإجرامي وما قد يُراد أن يترتب عليه من فتنة أو كراهية أو انقسام.
لقد علّمنا التاريخ الأردني أن التماسك الوطني لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالمواقف اليومية التي يؤكد فيها الأردنيون احترامهم المتبادل، ووقوفهم إلى جانب بعضهم في أوقات الشدة، ورفضهم كل ما يمسّ كرامة أي مواطن أو حقه في الأمن والحياة. وتزداد أهمية هذه المواقف عندما تتعرض المجتمعات لاختبارات صعبة؛ إذ تصبح الكلمة المسؤولة، والموقف المتزن، والتضامن الصادق، عناصر أساسية في حماية السلم الأهلي وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات دولتهم.
إن الأردن، بتاريخه وتجربته، يمتلك رصيدًا مهمًا من التعايش والتضامن بين أبنائه، والمحافظة على هذا الرصيد هو مسوؤلية الجميع، كما أنها مسؤولية تتطلب الرعاية المستمرة، وخاصة مؤسسات التعليم حيث تبني مناهجها وغرفها الدراسية قيم احترام الاختلاف، وتكافؤ الفرص، والعدالة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالوحدة الوطنية لا تُبنى فقط في أوقات الخطر، وإنما تُصان كل يوم حين يشعر كل أردني بأن له مكانًا كريمًا في وطنه، وأن حقوقه مصونة، وأن اختلافه في الدين أو الأصل أو الرأي لا ينتقص من مواطنته أو انتمائه.
وفي النهاية، فإن ما نريده من هذه الأحداث المؤلمة ليس أن ننساها، بل أن نستخلص منها ما يعزز إنسانيتنا ووعينا ومسؤوليتنا، فدماء الضحايا ووجع أسرهم يستحقان الحقيقة والعدالة والتضامن، كما يستحق الوطن أن نحميه من كل محاولة لتحويل الألم إلى فرقة، والخوف إلى كراهية، والاختلاف إلى صراع، وسيظل الأردن أقوى حين يدرك أبناؤه وبناته أن تنوعهم مصدر غنى، وأن أمنهم واحد، وأن مستقبلهم مشترك، وأن الانتماء الحقيقي للوطن يتجلى في حماية الإنسان وصون كرامته والوقوف إلى جانبه، أيًا كان دينه أو أصله.