الأولى أيديولوجية تؤمن بالحق في الحياة، ضاربة في القدم كالمياه التي تعمّد فيها السيد المسيح على هذه الأرض قبل نحو ألفي عام، ومتجذرة كأشجار الزيتون التي صُنعت من خشبها الصلبان عبر الأجيال، وجامعة كتاريخ أرض احتضنت من وُلد عليها ومن لجأ إليها طلباً للأمان، أيديولوجية رافقت نشأة الدولة الأردنية قبل أكثر من قرن، وجمعت أبناءها على اختلاف أديانهم وأصولهم تحت هوية واحدة، عنوانها الولاء للوطن.
أما الأيديولوجية الأخرى، فهي بدعة دخيلة لا أصول سابقة لها.. ثقافة لا تعترف بمعنى الوطن او حدوده ولا تفهم مسؤوليات المواطنة، تستبدل الانتماء بالإقصاء، والولاء بالخيانة، والنظر إلى المواطن شريكاً في الوطن بالريبة والكراهية، ولا تكمن خطورتها في العنف الذي يُرتكب باسمها فحسب، بل في محاولتها إقناع اتباعها بأن الكثير من بعض أبناء الوطن أقل حقاً من غيرهم في البقاءعلى الأرض التي ورثوها وبناها اجدادهم، وهذه هي الفكرة التي ينبغي مواجهتها، ليس بالإجراءات الأمنية وحدها، بل أيضاً بالطريقة التي نربي بها أجيالنا القادمة ونشكّل من خلالها فهمنا لأنفسنا وهويتنا الوطنية.
وتبدأ هذه المواجهة من التعليم، بإعادة نظر جذرية في كيفية تدريس تاريخ الأردن والأشخاص الذين أسهموا في بنائه، فمن حق أبنائنا أن يعرفوا إسهامات الأردنيين من مختلف مكونات المجتمع في تأسيس الدولة وبناء قواتها المسلحة ومستشفياتها ومدارسها ومؤسساتها العامة، لا بوصفها حكايات منفصلة لجماعات مختلفة في معتقداتها وانتماءاتها، بل فصولاً من قصة وطنية واحدة، فقد قامت هذه المؤسسات بجهود أجيال من الأردنيين الذين عملوا جنباً إلى جنب، وتقاسموا المسؤولية والتضحيات، ولم تكن مساهماتهم مشروطة بدين أو أصل، بل بانتمائهم إلى الدولة وإيمانهم بمستقبلها، وأن يكبر الأطفال وهم يرون التنوع الأردني حاضراً في تاريخ وطنهم، لأن ما يصبح مألوفاً من خلال التعليم يصعب تصويره لاحقاً على أنه غريب أو دخيل.
وتمتد المسؤولية ذاتها إلى إعلامنا الوطني، الرسمي والخاص، من خلال استراتيجية شاملة تواجه خطاب الكراهية والروايات التمييزية واللغة اليومية التي تجعل الإقصاء أمراً مألوفاً، وربما حان الوقت أيضاً لإعادة النظر في استخدام تعبيرات مثل التعايش والسلم الأهلي، فالتعايش يوحي بوجود جماعات منفصلة تحاول تقبّل بعضها بعضاً، بينما يوحي السلم الأهلي بأن غايتنا هي مجرد تجنّب الصراع، فلا تعايش بين مواطني الوطن الواحد، بل هناك وجود مشترك، فالمواطنة المتساوية ليست ترتيباً بين جماعات، وإنما هوية جامعة ينبغي أن تنعكس في الطريقة التي يُمثَّل بها المواطنون ويُخاطَبون ويُعامَلون، وفي القصص التي يرويها الإعلام عن المجتمع، بحيث يرى كل أردني نفسه جزءاً طبيعياً من الصورة الوطنية، لا استثناءً فيها ولا ضيفاً عليها.
وفي أدبيات العلوم السلوكية، لا تقل أهمية من ينقل الرسالة عن أهمية الرسالة نفسها، وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، عن عزم الوطن بكلمات بسيطة من لهجتنا الأردنية، «رح نورجيهم»، عبارة تختصر المواجهة بين نحن وهم، بين من يؤمنون بوطن يجمع أبناءه ومن يسعون إلى هدم هذا الإيمان، وإذا كانت المواجهة المباشرة تقتضي التصدي لكل من يهدد أمننا، فإن الانتصار الأكبر والأبقى يكمن في الحفاظ على الأيديولوجية الواحدة التي تجمعنا جميعاً ورعايتها وتعزيزها، أيديولوجية الوطن.