ما جرى في قرية حمود في الكرك يستدعي أن ننظر إليه باعتباره من أخطر الاعتداءات على معاني الأمان والمواطنة في تاريخ الأردن الحديث، وأن نكون على مستوى الحدث والخطر، وإنّ ملاحقة القتلة والقبض عليهم ومحاكمتهم وتنفيذ أشد العقوبات بحقهم، وإن وصلت إلى الإعدام بمقتضى القانون، فذلك لا يكفي لإعادة الأمان للأطفال وإزالة الحزن من قلوب ذوي الضحايا ومن قلوب الأردنيين جميعًا الذين فُجعوا بهذا الحدث الأليم، ولهذا فإنّ المسؤولية اليوم تمتد إلى ما هو أبعد من ملاحقة القتلة فحسب، لتشمل حماية المجتمع من الأسباب التي تتيح إنتاجهم مجددًا، ومن الآثار التي أرادوا تركها خلفهم.
مسّت الجريمة مواطنين أردنيين آمنين أبرياء، واعتدت على حرمة دار عبادة، وحاول القتلة أن يجعلوا الانتماء الدينيّ بابًا للخوف داخل الوطن الواحد، وهذه خطورة تقتضي مراجعة عميقة شاملة تتجاوز بيانات الشجب والإدانة، مهما كانت صادقة وضرورية في لحظات الألم الكبير.
وأول ما يستحق المراجعة ما يطلقه البعض منّا بحسن نية في خطاباتهم وكلماتهم، فحين نكرر في كل محنة أنّ المسيحيين «جزء من الوطن»، أو نستدعي عبارات المديح لإثبات مكانتهم، فإننا نضع مواطنتهم موضع مَن يحتاج إلى شهادة اعتراف، فإخواننا المسيحيون أردنيون أصيلون، والوطن وطنهم، وتاريخه تاريخهم، ومؤسساته مؤسساتهم، وحقوقهم ثابتة بالمواطنة، وكرامتهم مصونة، ولا نحتاج إلى مناسبة حزينة كي نعيد إعلانها.
إنّ المواطنة الصالحة تقتضي أن يشعر المواطن الأردني بأنّ الدولة تحميه؛ لأنه أردني، وأنّ الاعتداء عليه يمسّ الجميع، ويجب أن ينتقل خطابنا من تعداد الفئات وتبادل شهادات التسامح إلى ترسيخ قيم المواطنة والمساواة بوصفها ممارسة يومية في المدرسة والمؤسسة والمنبر الإعلامي وفي تفاصيل الحياة كافة.
ومن الخطأ أن تتحول تسمية الجناة «متطرفين» إلى عبارة جاهزة تختصر الجريمة وتغلق باب السؤال، فهم قتلة إرهابيون ومسؤوليتهم عن أفعالهم كاملة، وفي الوقت ذاته علينا أن نفتش بعناية في خطاب التكفير والتحريض على القتل والكراهية، وفي البيانات التي تسمح بنشر بذور الفرقة والفتنة وتقديمهما على أنّهما أمرٌ عاديّ؛ فمواجهة الجريمة تستدعي معرفة الطريق الذي يصل بالإنسان إلى حمل السلاح على أبرياء.
وكما أسلفنا، فإنّ ما وقع حدث كبير يرقى إلى العدوان على الأردن، واحتمال وجود تحريض أو تمويل أو تدبير خارجي غير مستبعد، ولا يغيب عن بال الجهات التحقيقية المختصة، وإنّ توقيت الجريمة وما يحدث في الضفة الغربية المحتلة من عدوان كبير وصفه رئيس وزراء الاحتلال بأنه الأعنف منذ عام 1967، وما يهدّد الأردن من خطر تهجير سكان الضفة الغربية، لا ينفصل عمّا وقع في الكرك؛ فالحدث كبير يتجاوز تفكير «الجهلة» الذين وُجّهوا عن بُعد!