د . رفقة دودين - يستند المتخيل الروائي في رواية الحبِّ المستحيل لموسى ولد ابنو على فكرة متخيلة أيضاً ولكنها تستند إلى أساس علمي قائم على فكرة التكاثر البشري بالاستناد إلى التقنيات الحديثة التي مكنت البشرية من التخصيب خارج الجسد الآدمي، بل ومن تحديد جنس المولود بالتحاليــل الصبغية وتحاليل المناعة، مما هدد التوازن الطبيعي بين الذكور والإناث بسبب تفضيل أكثـر الأزواج إنجاب الذكران، وهذا أدى بالنساء إلى الاحتجاج على هذه الوضعية مطالبات بتقسيـم عادل للأجنّة المحضرة للزرع بين الجنسين، حيث تحولت حركة تحرير المرأة في المتخيــل الروائي إلى حركة دفاع عن التخصيب الأنثوي.
ويقدم النص الروائي في مقطعه الثاني ملحقاً للحكاية المركزية التي يقوم عليهـا المتخيل الروائي، حيث يوغل النص قدماً في تخيله للوضع الذي آلت إليه أمور التخصيب في مجتمــع الرواية التخييلي، فلم تمض سنوات معدودة بعد التعبئة لصالح الأنوثة حتى انقلب التـــوازن القديـم، وأصبح عنصر الذكور مهدداً مما دفع بالرجال إلى استئجار كل الحضّانات المتوفرة في مراكز الإنجاب الاصطناعي من أجل إنجاب الذكور، ومضوا في استئجار أرحام الأمهـــات اللواتي بدون خائنات للقضية الأنثوية، مما دفع عصبة النساء إلى فضح كل امرأة تخــــون قضيتهـا، وتؤجر رحمها لإنجاب الذكور مما أوصل هذا الصراع بين الجنسين إلى حرب أهلية مدمرة، انتهت باتفاق الجنسين بعد فترة طويلة على إنهاء الحرب القاتلة، وتنظيم العلاقـــات والأدوار في المجتمع بوضع قواعد جديدة للإنجاب تعيد توازن الجنسين، حيث الغيت الأسـرة التقليدية، وحُرّم اختلاط الجنسين، ووضعت ضوابط جديدة تحدد طرق تعايش الجميع فـــي مجتمعين منفصلين لكل حقوقه وواجباته مع السماح للفرد بالخدمة المختلطة المشتركة كمجند لمدة سنتيـــــن من حياته فقـط.
ويوغل المتخيل الروائي في تصور الحياة في مجتمع الرواية بالحديث عن تدريبات الإباضة وتحفيزها، وعن حلقات التخصيب التي يتعين على منتسباتها الالتحاق بها والخضوع لبرنامجها، ومن ضمن فقرات هذا البرنامج حضور رقصات يشهدها جمهور من النساء الحوامـل، ويشرف عليها أعضاء من دور الإباضة متنكرات في زي رجال، إنها طقوس محفزة على الإباضة فـي صورة طقوس لقاء جماعي تفصل بعده الرجال عن النساء ليكون حلم الرجال بعد ابتعادهم عـن النساء بالزواج من بويضات مثلجة، تختزل الأنثى برغباتها وعواطفها إلى بويضة مثلجة في بنك التخصيب تكون مدعاة للأحلام والاحتلام، مورداً المتخيل الروائي بعض التفصيلات والحيثيـات المحض علمية لطرائق التخصيب وحفظ الأجنة ولتبدأ الرواية بولادة آدم، ذلك الابن الذي خصّب وزرع إلى أن تمت ولادته وصار لزاماً عليه أن يكون رجلاً، آدم المنذور للرجولة والمستقبـل عليه أن يصير رجلاً يفعل مثلما يفعل الآخرون، لأنّ شخصيته ستكون نتيجة للتفاعل مــــع الآخرين.
فرض المجتمع الجديد المتخيل على أعضائه الالتزام بتجنسهم البيولوجي، وصولاً إلـى مرحلة النرجسية الجنسية.
ويبدو النص الروائي المتخيل هذا متعالقاً مع الفكر الجنسوي الذي أشار إليه فوكو فــي تفصيلاته لتاريخ الجنسانية الذي غطّى الأواليات البيولوجية للإنتاج مثلما غطّى المتغيرات الفردية والاجتماعية للسلوك، وهي المستندة إلى مؤسسات دينية وقانونية وتربوية وطبية، ومنهــا التحولات التي يتوصل بها الأفراد إلى منح معنى أو قيمة لسلوكهم وواجباتهم وملذّاتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وأحلامهم، ومن ثم يتمُّ ترسيم الأدوار من خلال ترسيم الذوات الجنسانية ترسيمـاً ينفتح على ميادين معرفة متنوعة، ويتمحور حول نظام من القواعد الصارمة والإكراهات.
في هذا المتخيل الروائي لعبٌ على مسألة توزيع الأدوار وتقسيمها جنسوياً في المجتمـع في حين أن الفكر الجنساني الذي ظهر في مطلع القرن التاسع عشر كما يقول فوكو اعتبـر أن موضوعة انقلاب الأدوار الجنسية فيه إساءة إلى الطبيعة، كما أنّ كل فعل أخلاقي ينطوي على علاقة بالواقع الذي يتمُّ فيه وعلى علاقة بالقانون الذي يستند إليه أيضاً، من هنا فإن الروايــة تجترح حالة من مأسسة وتوزيع الأدوار مستندة إلى تكامل وتماسك الجنسين الذي بات مشروطاً بضمان المصلحة المشتركة مع الاعتراف بخصوصية ودور كل جنس بما في ذلك الحق فــي امتلاك وتطوير لغة في اتجاه خاص يخدم مصالح كل جنس، ويؤدي أغراضه، ومن هــــذه الأغراض تفاهم الجنسين، وأقامة مؤسسة الخدمة المختلطة وفيها يخدم كل جنس لمدة سنتيــن خدمة تطوعية مشتركة، مع استمرار التأكيد خارج الخدمة المشتركة على فكرة التزهد بـــل والإلحاح عليها، وكأنًّ هذه الفكرة القديمة في التاريخ البشري والتي كانت تمليها محظورات دينية وأخلاقية عبر مسيرة التطور الإنساني قد صارت تمليها أفكار ومحدثات التطور العلمي مفـرزة مشكلات أخلاقية كان المطلوب مواجهتها قبل أن تهدد الحياة بفرض تسيّد جنس على الآخـر، حيث أن فكرة التزهد قد ارتبطت في سياقها التاريخي بفكر معين ديني وعلماني وبممارســات معينة مرسمة أدواراً اجتماعية جنسانية منطلقة من المراحل التي وصلتها التجربة والقيم الأخلاقية والروحية المفترض أنها تمليها أو توصل إليها، كسلوكات تطهيرية أحياناً ظلت مرتبطة علــى الدوام بقيم معنوية وروحية رفيعة تمجّد العفّة والتعفّف والبتولة وموضوع اهتمام أخلاقي ظلـت على الدوام كما يرى فوكو بوصفها مواقع جذرية بحيث يعتبر تجاوزها خطيئة خطيرة وكبيرة، ولكنها أيضاً على صراع مع طاقة اللبيدو الفرويدية التي تتسبب نتيجة الكبح الذي تخضع لــه لتكون مقدّرة أخلاقياً بالمعاناة الجنسية التي تتمظهر بغير سلوك وبغير شكل من الأشكال.
غير أن في هذه الرواية اشتغال على الأواليات التي تحول دون الإنسان ورغباته، ومــن ضمن هذه الأواليات نظام العقوبات ونظام الحميات التي أقرها المجتمع الجديد، واشترط فيها ألاّ تنافي تقاليد الخدمة المختلطة والمرسمة بعناية، فآدم عندما اختير للخدمة المشتركة بعد اجتيـازه امتحان الكفاءة اختيرت له مانكي لتكون رفيقته في الخدمة المشتركة ولم تك قد رأت كائناً بشرياً من قبل، ولكنها استأنست بآدم واستسلمت له بعد أن غازلها قائلاً لهـا : أنت كشجرة جوز على الشاطئ، عرّت جذورها الأمواج، واستجابت لنداء البحر، مرسّمة في السماء، فصارت أجمل من باقة ورد، ولتحلّ اللعنة، لعنة المجتمع الجديد على آدم ومانكي لمزجهما الحب بالعواطف، ذلك أن عرف المجتمع يقول : إن من يرتكب جريمة الحبِّ ويعشق عنصراً من الجنس الآخـر يسبب خطراً على توازن المجتمع، ومن تثبت عليه هذه الجريمة يرسل إلى أحد مراكز إعـادة التأهيل، ولن يخرج منه إلا بعد الشفاء من مرضه.
ويقرر المسؤولون عن مراكز الخدمة المختلطة استبدال امرأة جديدة برفقة آدم مانكي (هي سوهو) ويطلب منهما أن يتحاشيا أي عاطفة قد تؤدي إلى شغف أو غرام أو حب في محاولة جادة للتأثير على عواطف آدم تجاه مانكي الذي يعلن أن الحبّ سجيّة بشرية لا يمكن إخضاعهـا للقانون، وهنا يبدأ البطل الروائي في مناقشة مسائل الحب والرغبة والعاطفة وكأنّه يناقش ويحاكم الفكر الإنساني الذي ناقش مثل هذه القضايا الإنسانية منذ فجره الأول مناقشة تلتقي مع ما يـورده فوكو في تتبعه لتاريخ الجنسانية وبخاصة تعريف أرسطو للرغبة : بأنها هي دوماً الرغبة فــي الشيء المستحب، ولا يوجد رغبة بلا حرمان أو فقدان للشيء المشتهى، مما يدفع إلــــى استحضار موضوع الرغبة القائمة على أنطولوجيا النقص والرغبة لإثارتها، وتبرز الأسئلــة الأخلاقية مرسمة ما هو معترف به كجوهر أخلاقي في السلوك الجنسي، كمفهوم الاعتـــدال والحكمة التي تميّز الذات الأخلاقية في تحققها وأنطولوجيتها، تزهديتها وغائبيتها، ويورد فوكو أيضاً ما أشار إليه فيدر من وجوب مقاومة العاشق لرغبته الخاصة.
في النص الروائي المتخيل لم يستطع آدم مقاومة عشقه ورغباته واعتلاله بالحب ممــا استوجب علاجه في مركز إعادة التأهيل بعد أن أصيب بحالة خطيرة وهي حالة الحبِّ، حبّــه لمانكي، وكان مركز التأهيل هذا على شكل زنزانة تحول حبّه من خلالها إلى بصيص أمل خافت بعيد المنال، يخوض معركته في تطابق الأفعال مع القواعد والقيم والإكراهات المقترحة التــي يُتعارف عليها كجوهر أخلاقي متعال في المجتمع الجديد المتخيل.
كما يوظف النص الروائي معارف متقدمة وتقدمية في معرض مناقشته لمثل مسائل الحب والعاطفة والرغبة وعلاقة ذلك بتحولات الجسد وهو يشكل هويته المجتمعية، مثال ذلك مناقشة ما كان يعرض من أفلام في المجتمع المتخيل تتناول المرأة كموضوع يحدث العنف والرغبة ويبعث الحب واعتبار ذلك مغالطة لأن المرأة ليست آلة إثارة، وإذا كانت تعرض نفسها في بعـــض الأحيان لإثارة الرغبات، وذلك ليس حكراً عليها، وهنا فالنص يرسخ مسألة فرادة الذوات التـي لا يمكن كما تقول جوليا كرستيفا اختزال بعضها في بعضها الآخر، ذلك أن الذات تنقسم إلــى تمثل واعٍ يمكن استعادة محتوياته بسهولة ويسر وتمثل غير واع هو مزيج من الدوافع والقــوى التي تملي عليه الرغبة في الاتصال بالغير، وهذه مسألة لا تتجزأ من كل ذات، من هنـا رأت كاترين ماكينون أن الرغبة ليست دافعاً أصيلاً في الإنسان أزلياً ونظرياً، بل هو ظاهرة اجتماعية يتوقف فيها الدافع على ظروف وملابسات متغيرة، كما أن مفهوم الرغبة يتضمن تحويــــل المرغوب فيه إلى شيء، وهو أمر كما ترى ماكينون يشكل أول خطوة في العملية الأولية لإخضاع المرأة، وهذا يعني أن متعة النظر مثلاً تشكل ثغرة تصاب النفس من خلالها.
وعوداً على بدء فقد كانت مرحلة التأهيل وفق سير الاحداث في المتخيل الروائي تعنــي سعي الملتحقين باعادة التأهيل لايجاد وسيلة للسمو بالحب حتى يفصلوه عن الجسد، وبعدها يتـم اجتياز اختبار التسريح بتحويل الحب الى حبِّ عذري يمكّن من الحفاظ على الحــــب دون المحبـوب، وكي يتمكن من الوصول الى مرحلة الفصل هذه فقد كان الملتحق بهذا المعهــد يخضع لمرحلـة علاج بالهرمونات وخاصة العلاج بالبروجسترون الذي يركز على فكرة مفادها أن الحب العاطفي ليس الا تجلياً للرغبة في المخيلة، ويكفي القضاء على الرغبة ليتلاشى ظلها في المخيلة، وهـذا ينطوي المتخيل الروائي على سجال العلاقة بين الحرية والاستسلام للملذات الجسدية، بوصفهـا حالة من حالات العبودية، عبودية الرغبات، عبودية النفس للنفس أيضاً.
ويناقش المتخيل الروائي أيضاً علاقة الحب بالتكاثر، فالعلاقات بين الرجال والنساء أسست في المجتمعات البدائية على التكامل في الإنجاب، فمن يضمن حق الحب حين صـــــارت الاعتبارات الإنجابية مخبرية ولا علاقة لها بالعاطفة والحب، والمتخيل الروائي يساجل كما في دراسات مشابهة مجموعة الخطابات التي قد تكون أحياناً ساذجة وماكرة والتي ارتبطت بالجنس والعاطفة في المنظومة القيمية والمجتمعية بشكل حاد وتعسفي على حدِّ المقدس أو المدنس، وفي مجمل هذه الخطابات كما يرى عبد الكريم الخطيبي يجري اختزال العلاقة الجنسية إلى وظيفتها الزوجية والعائلية والإنجابية وفي ذلك مؤشر لخطابات المجتمع حول هذه المسألة وليس مؤشـراً يصف الحقيقة أو الواقع لمثل هذه الخطابات، واقع هذا الخطاب متعدد الأشكال في مختلــف الأزمنة، والمتنوع أيضاً في نتائجه من حيث المظهر والتقمص لتظل العلاقة متقاطعة وخاضعة لفوضى نظامين أحدهما معلن ومقبول والآخر مستتر ومرفوض، وكأن في المتخيل الروائي إدانة للفصل الحاد بين الجسد والعاطفة، كما لو كان ذلك فصلاً بين الجسد والروح في الحياة، وهـذا الفصل كما يرى فتحي بن سلامة في سياق مشابه لا بد وأن يقود إلى أزمة في التعاطي الفكـري والحياتي، فالجمع بين ما هو جسدي وروحي متحصّل في جسد الإنسان ذاته، وبالتالي وجـب تنقية الجنس مما علق به من إغواء وفسوق، وأن توضع له موجباته الأخلاقية في مجتمع خاضع لنظام أخلاقي اجتماعي ميتافيزيقي متراتب يرى الفرق بين الجنسين قاعدة اجتماعية وقانـــوناً للتبادل، يحكمه التحديد الصارم للحلال والحرام، وليس الجنسي خارقاً بيولوجياً بين الجنسيـن، بل إنه وعبر الجنس يتمّ فصل الشخص عن ذاته ويصبح مستحيلاً أن تكون ذاته موضوع حـب لذاته، وهنا تكمن أهمية العقل في توجيه الشعور لدى كل ذات بالاكتمال بالآخر نتيجة نقصهـا كذات مستقلة. وهنا يلعب المتخيل الروائي على مسألة نقصان الذات واكتمالها من خلال رصد مشاعر آدم الذي ظل وفياً لحبه وتعلقه بمانكي، التي فقدت والدتها في مشفى المسنات والتي قام طاقم المنزل بتزيينها وهي متوفاة بوصفها امرأة فاضلة أنجبت خارج سلطان الرجال تمهيــداً لحرقها في طقوس جنائزية غرائبية تختمها مانكي بطرح سؤال سبق وسمعت أمها تطرحه علـى نفسها يوماً بنبرة يئست من أي جواب : لماذا نحيا ولماذا نموت ؟ فآدم قد قاد مقاومة لمشروع فصل النساء على الرجال ومصادرة الحبِّ والمشاعر التي يرى آدم أن الكائنات البشرية تلـجأ إليهـا، كونها كائنات ناقصة تحب لأنها تبحث عن الكمال، فالحبّ هو التوق إلى الكمــال، والكمــال يعني انصهار العاشقين واتحادهما في واحد، لتكون المفاجأة أن اتحاد آدم بمانكي لن يكـون إلا بتنازله عن خصوصيته الجنسوية، بأن يُضحي برجولته ويقبل بواسطة عمليـــة جراحية أن يتحدى المجتمع ويصير امرأة ويقبل آدم بالتحدي الذي سيواجه به النظام الاجتماعي والذي يعني لــه منتهى حبه لمانكي.
ويغامر آدم بإجراء العملية عائداً إلى حوائِه التي سبق وأن خرجت منه ومن ضلعه راضياً بعد إجراء العملية بأن يكون عرضة لانفعالات سريعة كسهولة البكاء وكثرة التعرق والرائحــة الخاصة والحسّ المرهف بالأصوات الأنثوية وعدم التوازن، يبحث آدم على مانكي ليقف أمامها مستعيداً صوته بأعجوبة وقائلاً لها إنه تنازل عن كيانه من أجلها وقرر الاتحاد مع جسدها، ليبدأ معها حياة التوحد في اثنين، فبعد أن كانا اثنين صارا واحداً يسعى إلى الكمال والاكتمال، وكأن المتخيل الروائي يريد ترسيخ مقولة أنَّ الأنثى هي الأصل.