منطقة عسكرية مغلقة ومئات العائلات بلا مأوى
الاحتلال يطلق أوسع عملياته العسكرية منذ 1967
إخلاء منازل وهدم منشآت وحملات اعتقال شاملة
مخاوف من اتساع «التهجير القسري» في المحافظة
نتانياهو: «مفاجأة كبيرة» تنتظر السلطة الفلسطينية
تعيش محافظة الخليل ومحيطها تحت حصار عسكري إسرائيلي مشدد، في أعقاب عملية إطلاق نار أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، وسط تصعيد ميداني واسع شمل إخلاء منازل وهدم منشآت وشن حملات اعتقال، في خطوة تعكس توجهاً إسرائيلياً لتوسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، وتطبيق نموذج عسكري سبق استخدامه في مخيمات شمال الضفة.
وأعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدء عملية عسكرية وصفها بأنها غير مسبوقة منذ عقود، تقوم على إخلاء السكان، وتنفيذ عمليات تفتيش من منزل إلى آخر، وتدمير ما تسميه إسرائيل «البنية التحتية للإرهاب»، وفق ادعاءاتها.
وجاء الإعلان عقب زيارة نتنياهو موقع عملية إطلاق النار عند حاجز «فرش الهوى» غرب الخليل، حيث استمع إلى إحاطة بشأن ملابسات الهجوم الذي نفذه شابان فلسطينيان، حددهما جيش الاحتلال لاحقاً بأنهما محمد وأحمد الجعبة من الخليل. وبحسب الرواية الإسرائيلية، استمر تبادل إطلاق النار نحو 20 دقيقة، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، هما الرقيب أول رون يوناتان رويتامن، البالغ 23 عاماً، والرقيب يوفال شاي سفيلام، البالغ 20 عاماً، وإصابة ثلاثة آخرين بجروح طفيفة، قبل استشهاد المنفذين.
وعقب العملية، أمر نتنياهو بفرض طوق أمني مشدد على الخليل، والاستعداد لإغلاق شامل للضفة الغربية، معلناً تطبيق ما وصفه بـ"نموذج المخيمات الهجومي» في عدد من أحياء المدينة.
ويقوم هذا النموذج، الذي سبق أن استخدمته قوات الاحتلال في مخيمات شمال الضفة، على إخلاء السكان، واقتحام المنازل وتفتيشها تباعاً، إلى جانب هدم منشآت وتدمير البنية التحتية.
وقال نتنياهو خلال مؤتمر صحفي في الخليل إن الجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ عملية واسعة النطاق في الضفة الغربية، لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ حرب عام 1967، مضيفاً أن القوات ستعمل على إخلاء السكان والانتقال من منزل إلى آخر وتدمير البنية التحتية.
وقال نتنياهو إن «مفاجأة كبيرة» تنتظر السلطة الفلسطينية، متجنبا الإجابة بشكل مباشر عما إذا كان يعتزم تفكيك السلطة الفلسطينية، لكنه أشار إلى أنه يفضل أسلوب «المباغتة والمفاجأة».
وأورد «لقد غيّرنا الشرق الأوسط.. قلت إننا سنُحدث تغييرا، وهذا ما فعلناه»، وذلك في مقابلة مع شبكة «آي24 نيوز».
وفي السياق ذاته، دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى شن حملة عسكرية واسعة على غرار العمليات التي نفذها الاحتلال في قطاع غزة ولبنان.
وفي المقابل، أفاد محافظ الخليل خالد دودين، بأن أكثر من 200 عائلة أُجبرت على إخلاء منازلها في منطقتي الجلدة ودير بحة، ما ترك مئات الفلسطينيين بلا مأوى، واضطر بعضهم إلى قضاء الليل في العراء.
وتشكل المنطقتان، وفق المعطيات الواردة، نحو ثلث مساحة المدينة، الأمر الذي يثير مخاوف من اتساع نطاق التهجير القسري وتداعياته الإنسانية على السكان.
وترافقت الإجراءات العسكرية مع حملة اعتقالات واسعة طالت ما لا يقل عن 13 فلسطينياً في الخليل وبلدة دورا ومخيم الفوار، بينهم النائب السابق عزام سلهب والصحفي مصعب قفيشة، فيما احتجزت قوات الاحتلال عشرات المواطنين الآخرين للتحقيق.
كما هدمت قوات الاحتلال عمارة سكنية تضم ثلاث شقق في منطقة فرش الهوى غرب الخليل، إلى جانب منشآت ومحال تجارية، بذريعة البناء دون ترخيص في المنطقة المصنفة «ج»، وفق التقسيمات الإسرائيلية المفروضة على الضفة الغربية. وتأتي عمليات الهدم في ظل إجراءات عسكرية متصاعدة تطال الأحياء السكنية والممتلكات الفلسطينية، بالتزامن مع تقييد حركة السكان وفرض قيود مشددة على تنقلهم.
وأغلقت قوات الاحتلال المداخل والطرق المؤدية إلى الخليل وبلداتها ومخيماتها، ما أدى إلى تعطيل مظاهر الحياة اليومية وشل حركة المواطنين.
وعلى وقع الإغلاق، أعلنت الجامعات والمدارس تعليق الدوام، فيما دعت نقابة النقل والمواصلات إلى تعطيل حركة المركبات حفاظاً على سلامة المواطنين في ظل المخاطر الناجمة عن الحواجز والانتشار العسكري.
ووصف محافظ الخليل الإجراءات الإسرائيلية بأنها جريمة بحق المواطنين وممتلكاتهم، تندرج في سياق العقاب الجماعي، داعياً إلى تدخل دولي عاجل لوقفها.
كما انتقد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الإغلاقات المفروضة، معتبراً أنها تأتي ضمن نمط من العقاب الجماعي، وتفاقم القيود المفروضة على حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم.
وأعلن جيش الاحتلال وجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، في بيان مشترك، بدء عملية عسكرية في منطقة الخليل أطلق عليها اسم «زئير يهودا»، وفق ما نقلته القناة 14 الإسرائيلية.
وذكر البيان أن العملية تشارك فيها قوات من الجيش والشاباك وحرس الحدود والإدارة المدنية، وتشمل عمليات تفتيش واسعة واستجواب عشرات الأشخاص الذين تصفهم إسرائيل بالمشتبه بهم.
وحددت القوات الإسرائيلية ثلاثة منافذ فقط لمغادرة السكان منطقة العمليات، على أن يخضع المغادرون للتفتيش والاستجواب الأمني، مع التحذير من إحالة كل من تثار حوله الشبهات إلى التحقيق.
وتعكس هذه الإجراءات، إلى جانب إخلاء المنازل والقيود المفروضة على الحركة، اتساع نطاق السيطرة العسكرية على الأحياء المستهدفة، وتحويل مساحات منها إلى مناطق مغلقة أمام سكانها.
وتأتي العملية قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة الثلاثاء المقبل، في وقت يصعّد فيه نتنياهو ووزراء في حكومته خطابهم الأمني، وسط ضغوط سياسية وانتخابية تواجه الحكومة.
وتشير تقارير إلى رفع الجيش حالة التأهب وتعزيز انتشاره في الضفة الغربية لتأمين الانتخابات، فيما يثير توقيت التصعيد تساؤلات بشأن تداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية الداخلية، من دون أن يعني ذلك وحده إثبات وجود دوافع انتخابية وراء العملية.
ولا تقتصر التطورات على الخليل، إذ تتزامن العملية مع تحركات عسكرية إسرائيلية في مناطق أخرى من الضفة الغربية. ووفقاً للبيانات الإسرائيلية، تنفذ القوات عمليات ضد عشرات الأهداف الفلسطينية في أنحاء متفرقة من الضفة. وفي الساعات ذاتها، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة نابلس، وحولت بناية سكنية في حي النور غربي المدينة إلى مركز للتحقيق الميداني واحتجاز المواطنين، كما داهمت مخزناً داخل عمارة سكنية في شارع تل.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، تتواصل اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وأفادت منظمة «البيدر» الحقوقية بأن مستوطنين اعتدوا السبت على قاطفي الزيتون في بلدة بيت إكسا شمال غرب القدس المحتلة، فيما أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الغاز، واعتقلت المواطن محمد سدر.
وتثير التطورات في الخليل مخاوف من نقل نموذج العمليات العسكرية الذي طبقته إسرائيل في مخيمات شمال الضفة إلى مناطق حضرية أكثر اتساعاً واكتظاظاً بالسكان.
فبينما ارتبط هذا النموذج سابقاً بإخلاء مخيمات وتهجير سكانها وتدمير أجزاء من بنيتها التحتية، يكتسب تطبيقه في الخليل أبعاداً أوسع، بالنظر إلى طبيعة المدينة وحجمها السكاني واتساع المناطق التي تشملها الإجراءات العسكرية.
وتشير المعطيات الواردة إلى أن التداعيات لا تقتصر على العمليات الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى السكن والتعليم والنقل والعمل، في ظل إغلاق الطرق وإخلاء المنازل وتهديد المنشآت والممتلكات.
ومع إعلان نتنياهو عزمه إعادة تشكيل الواقع الأمني في المنطقة، يبقى السؤال الأبرز متعلقاً بمآلات العملية، ومدى اتساع نطاق النزوح، وعدد العائلات التي ستتمكن من العودة إلى منازلها بعد انتهاء العمليات، في محافظة يسكنها نحو 860 ألف فلسطيني، وتواجه مخاوف من تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع ميداني طويل الأمد.