في واحدة من المفاجآت التي لم نكن نتوقعها، وقعت حادثة أليمة في أحضان وربوع محافظة الكرك، وتتشكل المفاجأة وما تحمله من ألم، في العديد من المعطيات، منها: أنها في كنيسة أثناء تشييع جثمان، وأنها في مدينة الكرم والتسامح وجميل التعايش وحسن الجوار بين مسلمين ومسيحيين، ضمن ثقافة أردنية سائدة، لكن في مستوى ممتاز عن غيرها.
وبادئ ذي بدء، أودّ التعبير عن فائق حزني وشديد استنكاري لما حدث في قرية حمود، وأيضا شديد مؤازرتي لكلّ المصابين آملا من الله تعالى لهم الشفاء العاجل، وأشدّ منه مؤازرة لذوي الذين قضوا نحبهم نتيجة جريمة نكراء لا تنتسب للإنسانية لا من قريب ولا من بعيد، ولا تسمح بها ديانة مرت على هذه الدنيا.
ثم دعونا نناقش دورنا المنوط بنا تجاه وطننا، ونحن نرى بأم أعيننا جريمة بشعة تحاول زعزعة أمن استقرار هذا الوطن العزيز، الذي يعدّ ركيزة أساسية في أمان الإقليم برمته.
فالحدث غريب عن ثقافتنا، بعيد عن عاداتنا، كما أنه واضح المعالم بانتمائه إلى أجندة خارج حدود الوطن، وأما استغلال بعض النفوس لتكون أداة لتحقيق تلك الأجندة، فهو الأمر الذي لا بد أن ننتبه إليه، فغسيل الأدمغة ثم تفريغها ثم ملؤها بكلّ شنيعة، يجعل من بعضهم لا يرى بعينه، بل هو بالحقد أعمى، وبما يملى عليه بالونا منتفخا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، تقلبه رياح الضغينة على على جمر الجريمة، فلا يفرق بين أبيه وأخيه، فضلا عن أن يفرق بين مسلم ومسيحيّ.
مما يجب مناقشته في أعلى درجات الجدّية، أمران مهمان:
الأمر الأول: تماسكنا في الأردنّ المبارك: كيف ننميه، ونزيد من أواصرنا، وكيف نكون مع أهل قرية حمود بكل معاني المواساة والمؤازرة، وكيف نقتدي بملك البلاد وهو يترجم معاني الاهتمام بالوطن، في صورة صادقة ويد حانية وقلب يجمع بين القوة على أعداء الوطن والرأفة بالمصابين.
هذا التماسك ليس وليد الساعة، إنه متجذر فينا كمسلمين، بأمر ربّ العالمين، وبسيرة سيدنا محمد النبي المبعوث رحمة للعالمين، وأيضا متجذر بالمسيحيين الأردنيين من دينهم وثقافتهم، أما العادات فهي تجمعنا وأما التقاليد فهي إطارنا، تتجسد في الحفاظ على هذا الوطن المبارك أرضه وسمائه، وتاريخه وحاضره، والمحافظة على الأمانة نسلمها للأجيال من بعدنا.
الأمر الثاني: أن نزداد حرصا على عقول أبنائنا حتى لا يكونوا صيدا بخسا رخيصا لكلّ ناعق بخراب هذا الوطن – أو ذاك- ممن ينتحلون نحلة الدين، ويسحبون المغفلين والمتعجلين ممن لا يدرون ما معنى الدين، ويساقون إلى الموت وهم ينظرون، ويظنون أنهم إلى جنان الخلد يزفون.
فلا بدّ لنا من فزعة نعيد فيها جدولة أعمالنا، ليبقى الأردنّ بتراثه ناصعا، وقبلة للآمنين والمستأمنين، ونجدد الدرس ونعيده: إننا أهل سماحة في ديننا، والإسلام يحثنا على فعل الخيرات، وينهانا عن إراقة الدماء، ويمنعنا من الاعتداء، في منظومة خير وسلسلة ذهبية بالنور بعيدة عن خفافيش الظلام، الذين لا يمثلون سوى العبثية، والجريمة النكراء لا بد للقانون أن يحقق العدالة في كبح جماحها في الدنيا، أما في الآخرة، فلن تنفع النوايا أمام قضاء ربّ العالمين إذ كانت الجريمة من الظلم والظلم لا يقبله ربّ العباد ويعاقب عليه في نار تلظى.
حمى الله الأردنّ حصنا منيعا أمام عبث العابثين وتعنت الغالِين وظلم وظلام الظالمين.. آمين.