الاحتلال يمنح البؤر غير المرخصة تسهيلات للبنية التحتية
فرض وقائع جديدة على الأرض وتعزيز السيطرة الإسرائيلية
كشفت مؤسسات حقوقية إسرائيلية عن مخطط استيطاني جديد تقوده حركة «أمانا» الاستيطانية المتطرفة في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة، يستهدف إقامة 122 وحدة استيطانية على أنقاض فندق شبرد التاريخي، المعروف ببيت مفتي القدس، بالتزامن مع إقرار تعديل قانوني إسرائيلي يسمح بربط البؤر الاستيطانية غير المرخصة بشبكات المياه والكهرباء، حتى قبل المصادقة على مخططات تنظيمها والبناء فيها.
ويعكس التطوران تصعيداً في السياسات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين، من خلال إقامة مشاريع استيطانية جديدة وتوفير البنية التحتية للبؤر القائمة، بما يسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المناطق المستهدفة.
وكشفت جمعية «عير عميم» الإسرائيلية، المتخصصة في شؤون القدس، عن مخطط استيطاني يحمل الرقم 1602689، تدفع به حركة «أمانا»، ويستهدف موقع فندق شبرد التاريخي في الجزء الشمالي الشرقي من حي الشيخ جراح.
وبحسب المعلومات التي نشرتها صحيفة «ماينت» العبرية وجمعية «عير عميم»، يمتد المخطط على مساحة تقارب 5.8 دونمات، ويتضمن إقامة مبانٍ استيطانية يصل ارتفاعها إلى 12 طابقاً، بارتفاع إجمالي يبلغ نحو 47 متراً، تضم 122 وحدة استيطانية، إلى جانب مساحات تجارية ومرافق تعليمية ودينية ومواقف سيارات تحت الأرض.
ومن المقرر أن تعقد لجنة التخطيط والبناء المحلية الإسرائيلية في القدس المحتلة أولى جلساتها لبحث المخطط في 11 تشرين الثاني المقبل، وفقاً لجمعية «عير عميم».
ويُعد المشروع الأول من نوعه الذي تدفع به حركة «أمانا» الاستيطانية في القدس المحتلة، بعد عقود من نشاطها المكثف في توسيع الاستيطان بالضفة الغربية. ويترأس الحركة زئيف حيفر، المعروف بلقب «زمبيش»، الذي تشير الجمعية إلى أنه كان عضواً سابقاً في تنظيم يهودي سري متطرف نفذ هجمات ضد فلسطينيين في ثمانينيات القرن الماضي.
وتشير وثائق نشرتها «عير عميم» إلى أن ملكية موقع فندق شبرد تعود في الأصل إلى عائلة مفتي القدس الحسيني، قبل أن تستولي عليه السلطات الإسرائيلية بموجب قانون أملاك الغائبين، وتنقل ملكيته لاحقاً إلى جمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية المتطرفة.
ووفقاً للمخطط الجديد، ستُهدم المباني السكنية القائمة في الموقع لإفساح المجال أمام المشروع الاستيطاني، مع الإبقاء على المبنى التاريخي للفندق، الذي أقامه المفتي لاستقبال ضيوف القدس قبل نكبة عام 1948.
وفي هذا السياق، نقلت «عير عميم» عن الباحث أفيف تترسكي قوله إن مخطط «أمانا» ينضم إلى سلسلة من المشاريع التي تدفع بها جهات حكومية إسرائيلية متطرفة، من بينها وزارة البناء والإسكان وسلطة تطوير القدس، بهدف إقامة آلاف الوحدات السكنية المخصصة للمستوطنين الإسرائيليين، بدلاً من تلبية احتياجات السكان الفلسطينيين في حي الشيخ جراح.
وأضاف تترسكي أن تعدد هذه المخططات وتنوع الجهات الحكومية والجمعيات الاستيطانية التي تقف وراءها يكشفان حجم الجهود الإسرائيلية المنظمة الرامية إلى تحويل الشيخ جراح من حي فلسطيني إلى مستوطنة إسرائيلية.
وبالتوازي مع المخطط الاستيطاني في القدس، كشفت جمعية «بمكوم – تخطيط وحقوق إنسان» عن تعديل أقره قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي في 23 أيلول الماضي، على قانون التنظيم والبناء في الضفة الغربية المحتلة، يسمح بربط مبانٍ أقيمت دون تراخيص في البؤر الاستيطانية بشبكتي المياه والكهرباء، حتى قبل المصادقة على المخططات اللازمة لتنظيمها.
وبموجب التعديل، يمكن منح استثناء للمباني التي أُقيمت قبل 12 شباط 2023 على أراضٍ عامة أو على أراضٍ خاصة بموافقة أصحابها، شريطة وجودها في مواقع تعتزم السلطات العسكرية الإسرائيلية أو الإدارة المدنية شرعنتها، وأن ترى الجهات المختصة إمكانية المصادقة على مخططاتها مستقبلاً.
ويُمنح الاستثناء لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد، بما يسمح بتزويد هذه المباني بالبنية التحتية الأساسية من دون وجود مخططات مصادق عليها، ومن دون ضمان الموافقة عليها لاحقاً، الأمر الذي يتيح توفير الخدمات لبؤر استيطانية غير مرخصة ويمهد لتعزيز وجودها على الأراضي الفلسطينية.
وترى «بمكوم» أن التعديل يكرس التمييز بين المستوطنين والفلسطينيين في المنطقة المصنفة «ج»، التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة في شؤون التخطيط والبناء.
ففي الوقت الذي يحصل فيه المستوطنون على تسهيلات لتوصيل المياه والكهرباء إلى مبانٍ أقيمت من دون تراخيص، يواجه الفلسطينيون قيوداً مشددة على البناء وتوفير الخدمات الأساسية.
وتشير بيانات الجمعية إلى أن الفلسطينيين قدموا، منذ عام 2011، 115 مخططاً لتنظيم البناء في قرى قائمة، لم تتم المصادقة سوى على سبعة منها، كما لا يتوفر مخطط هيكلي ساري المفعول سوى في 21 تجمعاً من أصل 240 تجمعاً فلسطينياً يقع بناؤها بالكامل في المنطقة «ج».
وقال أساف بيلد من جمعية «بمكوم» إن إسرائيل تواصل تعميق التمييز بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية، من خلال تسهيل حصول المستوطنين على المياه والكهرباء والخدمات العامة لمبانٍ أقيمت دون تراخيص، حتى قبل المصادقة على مخططات بنائها، في مقابل حرمان الفلسطينيين من تصاريح البناء والبنية التحتية الأساسية.
ويأتي المخطط الاستيطاني في الشيخ جراح والتعديل القانوني في الضفة الغربية ضمن سياسة إسرائيلية أوسع لتوسيع الاستيطان وشرعنة البؤر القائمة، ولا سيما منذ شباط 2023. ووفقاً لمعطيات «بمكوم»، أعلنت الحكومة الإسرائيلية الحالية إقامة 104 مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، بينها 48 مستوطنة جرى الإعلان عنها من خلال شرعنة بؤر استيطانية قائمة.
وتشير وثائق الجمعية إلى أن تزويد البؤر الاستيطانية بالبنية التحتية بدأ فعلياً قبل إقرار التعديل القانوني؛ إذ أظهر محضر جلسة المجلس الإقليمي الاستيطاني «مطيه بنيامين»، المنعقدة في 22 آذار الماضي، أن بؤرة «ماعوز تسور» رُبطت بشبكات البنية التحتية قبل إعلان الأراضي المقامة عليها أراضي عامة.
وفي السياق ذاته، وثقت منظمتا «كيرم نافوت» و«السلام الآن» أن البؤر الرعوية الاستيطانية سيطرت على ما لا يقل عن 786 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية حتى نهاية عام 2024، أي ما يعادل نحو 14 بالمئة من مساحتها، في مؤشر على اتساع نطاق السيطرة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية.