قبل أيام من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده الكامل والمطلق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في خطوة تجاوزت الأعراف الدبلوماسية المعتادة، وأعادت تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الرجلين، التي تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بإيران مع المصالح السياسية والانتخابية.
وجاء إعلان ترامب عبر منصته «تروث سوشيال»، إذ كتب: «إذا كان لدى إسرائيل الزعيم غير المناسب، وهو أي شخص غير بيبي، فسيتعين على أميركا القيام بهذا العمل بنفسها، وأنا لا أميل إلى ذلك».
ووفق قراءة الكاتب في صحيفة «إسرائيل اليوم» أمنون لورد، فإن هذه العبارة تكشف جانباً أساسياً من حسابات واشنطن، المتمثل في رغبة ترامب بأن تتولى إسرائيل جانباً من المهمة العسكرية ضد إيران، بما يقلل الحاجة إلى انخراط أميركي مباشر، وهو ما يجعل استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة مصلحة أميركية في نظره.
ويرى لورد أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو تختلف عن العلاقات التقليدية التي ربطت البيت الأبيض برؤساء الحكومات الإسرائيلية، واصفاً إياها بأنها شراكة غير مسبوقة، قادت، بحسب تحليله، إلى خوض حربين ضد إيران، ورسخت جدول أعمال مشتركاً يقوم على ضرورة منع طهران من امتلاك سلاح نووي وتصفية قدراتها النووية.
ويتقاطع هذا التوجه مع تقارير إعلامية أميركية تناولت طبيعة التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، فقد أفادت شبكة «سي بي إس نيوز»، في تقرير نقلته وكالة «أبا.أز» في شباط 2026، بأن إدارة ترامب تعهدت بدعم إسرائيل في حال قررت شن ضربات على إيران إثر فشل المفاوضات النووية.
وناقش مسؤولون في البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الأميركية أشكال الدعم العملياتي الممكنة، بما في ذلك تزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود وتأمين تصاريح التحليق فوق أجواء دول ثالثة، إلى جانب تغطية النفقات المرتبطة بالعمليات.
وتطرح هذه الترتيبات تساؤلات بشأن طبيعة الدور الإسرائيلي في الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران، وما إذا كانت إسرائيل تتحرك بوصفها شريكاً في صياغة الأهداف والقرارات، أم أنها تتحمل الجزء الأكبر من المخاطر العسكرية في مواجهة خصم تسعى واشنطن إلى احتواء قدراته النووية.
وفي هذا السياق، يرفض لورد وصف إسرائيل بأنها مجرد قوة مقاتلة تعمل لحساب الولايات المتحدة، مؤكداً أنها شريك في جدول أعمال مشترك، وليست «مقاتلة مرتزقة».
ولا يقتصر هذا الجدول، وفق قراءة الكاتب، على إيران، بل يرتبط أيضاً بتصور أوسع لإعادة تشكيل المشهد السياسي الدولي، من خلال دعم قوى اليمين وتعزيز حضورها في عدد من الدول الغربية.
غير أن الملف الإيراني يبقى في صدارة الحسابات المشتركة بين ترامب ونتنياهو، في ظل ما يحمله من تداعيات أمنية وعسكرية، وما يوفره لكل منهما من أوراق سياسية داخلية.
ويكتسب إعلان التأييد الأميركي أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ جاء قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية، في خطوة أثارت تساؤلات حول حدود التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية لإسرائيل.
ويُنظر إلى هذا الإعلان باعتباره سابقة لافتة في العلاقات بين البلدين، نظراً إلى أن رئيساً أميركياً أعلن صراحة دعمه لرئيس حكومة إسرائيلي قبل اقتراع وشيك.
ونقل مراسل موقع «أكسيوس» باراك رافيد عن ترامب قوله إنه كان يعتزم إعلان تأييده لنتنياهو منذ البداية، لكنه لم يرغب في القيام بذلك في وقت مبكر جداً.
وبحسب لورد، فإن ترامب قد يكون أقل انشغالاً بنتائج الانتخابات الإسرائيلية بحد ذاتها مما هو منشغل بوجود قيادة إسرائيلية مستعدة للمضي في المواجهة مع إيران.
ويقر الكاتب بأن نتنياهو لا يتمتع بشعبية واسعة في الولايات المتحدة، لكنه يرى أن ترامب لا يجد في الساحة الدولية شركاء كثيرين مستعدين لتحمل مخاطر المواجهة العسكرية على هذا النحو.
في المقابل، تتداخل الحسابات الإسرائيلية مع اعتبارات السياسة الأميركية الداخلية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني المقبل. فإدارة ترامب تواجه ضغوطاً لإظهار تقدم في الملفات الخارجية، فيما يمثل الملف الإيراني أحد أبرز التحديات التي قد تؤثر في تقييم الناخبين لأداء الإدارة في السياسة الخارجية والأمن القومي.
وفي هذا الإطار، أفاد تقرير لـ«أكسيوس» بأن ترامب ونتنياهو ناقشا، قبل خمسة أيام من إعلان التأييد، احتمال إطلاق جولة جديدة من العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران، استناداً إلى معلومات استخباراتية إسرائيلية تحدثت عن مساعٍ إيرانية لإعادة بناء البرنامج النووي.
ورغم نفي البيت الأبيض وجود خطط لشن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي، فإن التقارير أشارت إلى استمرار حالة التأهب العسكري، بما يبقي احتمال التصعيد قائماً.
وأثار موقف ترامب ردود فعل داخل إسرائيل، حيث رفض المرشح المنافس لنتنياهو ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت التدخل الأميركي في الانتخابات، قائلاً: «أحترم الرئيس الأميركي، لكن إسرائيل دولة ديمقراطية، والمواطنون الإسرائيليون وحدهم هم من يقررون من سيكون رئيس الوزراء».
كما انقسمت القراءات الإسرائيلية بشأن الأثر الانتخابي لهذا التأييد، وترى الباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية تمار هيرمان أن الموقف الأميركي قد يساعد نتنياهو في استمالة بعض الناخبين المترددين، لكنها تستبعد أن يؤدي وحده إلى تغيير واسع في اتجاهات الناخبين.
وتشير استطلاعات الرأي الواردة في التقارير إلى أن معسكر نتنياهو يواجه صعوبة في ضمان الحصول على 61 مقعداً، وهو العدد اللازم لتشكيل حكومة، ما يبقي المشهد الانتخابي مفتوحاً على احتمالات متعددة.
وفي خلفية هذا المشهد، تتجاوز العلاقة بين الرجلين حدود الدعم السياسي المتبادل، لتشمل حسابات تتعلق بمستقبل نتنياهو السياسي والقضايا القضائية التي يواجهها. ويشير لورد إلى أن جانباً من الرأي العام الإسرائيلي يريد من ترامب التدخل لمصلحة رئيس الوزراء في ملف طلب العفو، في حين يرى أن قطاعات أخرى تتمسك بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات التي شهدتها إسرائيل خلال الحرب.
وبالنسبة إلى ترامب، يمكن قراءة دعمه لنتنياهو باعتباره استثماراً سياسياً واستراتيجياً في قيادة إسرائيلية مستعدة لتحمل مخاطر المواجهة العسكرية مع طهران، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحقيق أهدافها بشأن البرنامج النووي الإيراني من دون تحمل جميع أعباء الحرب بصورة مباشرة.
أما نتنياهو، فيمنحه التأييد الأميركي دعماً سياسياً في توقيت انتخابي حساس، فضلاً عن تأكيد استمرار التنسيق الاستراتيجي بين الجانبين.
لكن الرهان الأميركي يظل مرتبطاً بنتيجة الانتخابات الإسرائيلية، وما إذا كان نتنياهو سيحتفظ بالقدرة على تشكيل الحكومة المقبلة.
وفي حال خسر، سيواجه ترامب اختباراً لمدى قدرته على الحفاظ على المسار نفسه مع قيادة إسرائيلية جديدة، ومدى استعداد تلك القيادة لتبني الأهداف ذاتها في التعامل مع إيران.
وقد لخّص ترامب هذا الاحتمال في حديثه إلى «أكسيوس»، حين قال: «ربما أستطيع التعامل مع آخر، وربما لا. من يريد أن يخاطر؟». وهي عبارة تعكس حجم الرهان الذي يضعه الرئيس الأميركي على نتنياهو، وتفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يتعلق التأييد بشخص رئيس الوزراء، أم باستمرار نهج إسرائيلي مستعد لتحمل العبء العسكري في مواجهة إيران نيابة عن واشنطن؟.