جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني مؤخرا إلى أستراليا لتقدم إجابة تستحق التوقف عندها، وتؤكد أن الصحة النفسية ليست قضية هامشية، ولا ملفًا يمكن تأجيله إلى حين الانتهاء من القضايا الكبرى ، فبالرغم من جسامة المسؤوليات الوطنية والإقليمية الملقاة على عاتق جلالته، لم تغب الصحة النفسية عن اهتمامه؛ بل حضرت في مباحثاته، وتُرجمت إلى خطوة عملية تمثلت في توقيع مذكرة تفاهم أردنية أسترالية للتعاون في هذا المجال .
وتكتسب هذه المذكرة أهمية خاصة لما تتيحه من فرص للاستفادة من الخبرات الأسترالية، وتعزيز تبادل المعرفة والمعلومات، وتطوير التعاون في الصحة النفسية والدعم النفسي ، و لا سيما في التعامل مع الصدمات النفسية. وهي خطوة تعكس إدراكًا لأهمية بناء شراكات دولية تسهم في تطوير الخدمات وتحسين استجابتها لاحتياجات الأفراد و المجتمعات. إنها ليست مجرد اتفاقية تضاف إلى سجل العلاقات الثنائية بين البلدين، بل رسالة واضحة بأن صحة المواطن الاردني النفسية تستحق الاهتمام على أعلى المستويات، وأن الاستثمار في الإنسان لا يكتمل من دون حماية سلامته النفسية.
وهنا، لا بد من الإشادة بموقف جلالة الملك؛ فوسط انشغاله بملفات سياسية واقتصادية وإقليمية شديدة التعقيد، بقيت هذه القضية الإنسانية حاضرة في أجندته، وهذا الاهتمام يستحق التقدير، لأنه يسلط الضوء على معاناة قد لا تُرى بالعين، لكنها تؤثر في حياة الأفراد والأسر واستقرار المجتمع. غير أن أهمية هذه المذكرة لن تُقاس بتوقيعها وحده، بل بما ستفضي إليه من نتائج ملموسة. والمطلوب اليوم من معالي وزير الصحه " ابو عمر " ترجمتها إلى برامج عملية تشمل تدريب الكوادر، وتطوير الخدمات ، وتوسيع الوصول إلى العلاج، وتعزيز الدعم النفسي في المدارس ومراكز الرعاية الصحية الأولية والمجتمعات المحلية، كما أن مواجهة الوصمة الاجتماعية تظل ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير الخدمات؛ فلا ينبغي أن يشعر الإنسان بالخجل لأنه يحتاج إلى مساعدة نفسية، أو أن يواجه معاناته وحيدًا خوفًا من أحكام الآخرين.
لقد عدت إلى سؤالي الأول: الصحة النفسية، من هم بواكيها؟ وكنت قبل عام قد كتبت مقالا بذات العنوان وذات السؤال في ذات الصحيفة، اليوم حصلت على نعم، للصحة النفسية بواكٍ، وفي مقدمتهم جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يؤكد اهتمامه بهذا الملف، حيث أن الانشغال بالقضايا الكبرى لا يعني إغفال الإنسان واحتياجاته العميقة.
ويبقى الأمل أن تكون مذكرة التفاهم الأردنية الأسترالية بداية لمرحلة جديدة، تنتقل فيها الصحة النفسية من دائرة الاهتمام إلى ميدان الإنجاز، ومن المبادرات إلى البرامج المستدامة ، فالأوطان لا تُبنى بقوة مؤسساتها واقتصاداتها وحدها، بل أيضًا بإنسان يتمتع بالتوازن النفسي، ويجد من يسمعه ويسانده حين يحتاج إلى المساعدة.
نعم، للصحة النفسية بواكٍ، وفي مقدمتهم جلالة الملك؛ فهل نكون جميعًا على قدر هذه المسؤولية؟
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط من يحمل همّها، بل كيف نحوّل هذا الاهتمام إلى خدمات ملموسة، تصل إلى كل إنسان يحتاج إلى من يسمعه، ويسانده، ويعيد إليه الأمل.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق