لدى معظم الناس آراء حول الكيفية التي ينبغي أن يُدار بها المجتمع، والأولويات التي يجب أن تركز عليها الحكومات، وما يجعل السياسات العامة عادلة أو فعّالة، وغالبًا ما تعكس هذه الآراء قناعات سياسية أعمق، حتى وإن لم ندرك ذلك. فالأحزاب السياسية، في أبسط صورها، تجمع أفرادًا يتشاركون مبادئ معينة ورؤية مشتركة للمجتمع، ومن منظور سلوكي، يميل الناس إلى الانتماء إلى المجموعات التي تعكس قيمهم وتمنحهم شعورًا بالانتماء، وهو ما يساعدنا على فهم أن الارتباط السياسي يبدأ من القناعات المشتركة، وليس من مجرد تعبئة طلب انتساب إلى حزب.
لكن العلاقة بين القناعات الشخصية والانتماء السياسي ليست واضحة دائمًا، فقد يهتم الشاب اهتمامًا كبيرًا بالقضايا التي تؤثر في مستقبله، دون أن يعرف كيف ترتبط هذه الاهتمامات بالفلسفات السياسية المختلفة أو البرامج الحزبية، وهنا تظهر ما يمكن أن نسميه «فجوة الارتباط»، حيث يصعب على الأفراد التعرف على قناعاتهم ضمن الخيارات السياسية المتاحة أمامهم، ويتطلب تضييق هذه الفجوة تبسيط الأفكار السياسية وتوضيح علاقتها بالقرارات التي تؤثر في حياتنا اليومية، بما يساعد الشباب على المقارنة بين التوجهات المختلفة بناءً على المبادئ التي تقف وراءها، لا على الشعارات وحدها.
يمكن للجامعات أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال تنظيم حوارات تتيح للطلبة استكشاف المقاربات السياسية المختلفة للقضايا العامة، وفهم الأسباب التي تجعل الناس يتوصلون إلى حلول مختلفة للتحديات ذاتها، كما يمكن تنظيم لقاءات توعوية مماثلة في المجتمعات المحلية بمختلف مناطق الأردن، للتعريف بكيفية تأسيس الأحزاب والعلاقة بين مبادئها ومواقفها من القضايا المختلفة، ويمكن أيضًا أن تجمع هذه اللقاءات الشباب بممثلين عن أحزاب سياسية متعددة، بما يفتح المجال لحوار مباشر يساعد الطرفين على فهم بعضهما بعضًا، ويتيح للأحزاب الاستماع إلى أولويات الشباب وتطلعاتهم بصورة مباشرة، وبهذه الطريقة يصبح التثقيف السياسي تجربة عملية، بدلًا من أن يقتصر على حفظ المفاهيم والتعريفات.
ولا تقل أهمية التعليم والتثقيف بالنسبة إلى القائمين على تأسيس الأحزاب السياسية وقيادتها، فبناء هوية سياسية واضحة يتطلب فهمًا للفلسفات السياسية والقدرة على ترجمة المبادئ إلى برامج محددة، ويمكن للورش والبرامج التعليمية أن تساعد أعضاء الأحزاب على تطوير هذه المهارات والتعبير عن أفكارهم بلغة واضحة وقريبة من المواطنين، وليس الهدف أن يصبح كل حزب مقبولًا لدى الجميع، بل أن تكون قناعاته وأولوياته واضحة بما يكفي لتمكين الأفراد من تحديد مدى توافقها مع قناعاتهم الشخصية.
ومن منظور العلوم السلوكية، يشكل التعليم عاملًا ممكنًا للتغيير السلوكي، إذ يمنح الأفراد المعرفة والثقة اللازمتين لاتخاذ قرارات تنسجم مع قناعاتهم، وهو لا يضمن انضمام الفرد إلى حزب سياسي، ولا ينبغي أن يكون ذلك هدفه الوحيد، لكنه يمكن أن يجعل المشاركة السياسية خيارًا أكثر وعيًا ومعنى، ومع تقدم الأردن في مسيرته الاقتصادية، يمكن لتعزيز الوعي السياسي أن يسهم في ترسيخ ثقافة سياسية يتفاعل فيها المواطنون مع الأفكار والمبادئ، قبل أن يقرروا الكيفية التي يرغبون من خلالها في المشاركة في الحياة السياسية.