الأنساق القيمية فـي أدب يوسف إدريس

الأنساق القيمية فـي أدب يوسف إدريس

د. نبيل حداد - هل نغالي اذا قلنا ان يوسف ادريس ما زال يحتل في عالم القصة العربية القصيرة المكانة نفسها التي يحتلها نجيب محفوظ في عالم الرواية العربية، انها المكانة التي تقع فوق القمة، دون صنو نظير او نديد مزاحم؟
بصرف النظر عن التساؤل السابق فإن ادريس حقق مكانته من خلال انجازات غير مسبوقة في مسيرة القصة العربية بركنيها الاساسيين: الفكري والفني.
ولا نظن اننا في حاجة الى استحضار هذه الانجازات ناهيك عن التوقف عندها، وذلك لما حظيت به من اهتمام النقاد والدارسين، ولكن حسبنا ان نشير الى ان الانجاز الفكري الاساسي لادريس نهض بشكل اساسي على تصديه لقضايا انسانية كبرى لا يختص بها مجتمع دون آخر، بل انها قضايا الانسان في كل زمان ومكان، هذا التصدي يأخذ تجلياته من خلال انجاز ادريس على الصعيد الثاني «الفني» وتحديداً من خلال طرائقه السردية وتقنياتها.
لقد تعرض العديد من اعمال ادريس لواقع الشخصية المزدوجة «ونحن لا نتحدث عن انفصام سيكوباثي» كما تعرض لما يمكن ان يسمى بازمة المعايشة وتمثل الحياة والعجز عن ارتشاف رحيقها، وذلك بعد ان يصل الانسان، والرجل المثقف تحديداً الى مرحلة ما من عمره يبدأ عندها بمراجعة ما حققه وما فاته ان يحققه. ناهيك عن ان بعض اعمال ادريس تنهض - من الناحية الفكرية - على الموقف القيمي الفطري لكل من الرجل والمرأة ازاء املاءات الحياة ومتطلباتها التي قد تستدعي انماطاً من السلوك والممارسات لا تخلو من تضارب بل تناقض.
تنويعات نموذجية
وعادة ما تتكرر المواقف وتتشابه النماذج لدى العديد من الكتّاب الكبار، ولكن التنويعات تتطور دون ان تأخذ سمتاً واحداً او ايقاعاً متجانساً. ويوسف ادريس من اولئك الكتّاب الكبار ممن تتكرر عندهم المواقف والنماذج ضمن تنويعات غنية حافلة بالمشاهد الانسانية المعبرة. ولقد اخترت في هذا الموضوع قصة ليوسف ادريس تلخص بل تطرح قضايا انسانية كبرى في ادبه، كما تستحضر انجازه التقني الذي جعله حتى يومنا في طليعة كتّاب القصة القصيرة من المجددين.
القصة هي «حالة تلبس» وقد صدرت ضمن مجموعة «لغة الآي آي» التي نشرت عام 1965، وقصتنا اليوم كتبت سنة 1962 كما يحدد ذلك بوضوح التذييل المثبت في نهاية النص.
تحكي القصة موقفا غير عادي في حياة عميد كلية في احدى الجامعات. اذ يتأخر هذا في مكتبه الى ما بعد الثالثة، نهاية الدوام، لأمر روتيني، وحين يشعر بالملل وهو جالس يراجع الاوراق، يتجه الى نافذة المكتب الضيقة «ليأخذ فكرة عن الجو في الخارج» فيقع بصره على منظر يستثيره ايما استثارة، بل يجعله يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد فيما بينه وبين نفسه. لقد وقعت عيناه على طالبة لا يجاوز عمرها السابعة عشرة وهي تدخن.. اي صدمة؟ انها تذكره بابنته، فهي في سنها، ويصمم العميد على استدعاء الساعي والحرس لضبط الفتاة ومن ثم فصلها لأسبوع او اكثر، ولكن شيئاً ما، جعل مشاعره تتحول من الثورة العارمة الى الغضب، ومن الغضب الى الصدمة، ومن الصدمة الى الذهول، ومن الذهول الى المراجعة، ومن المراجعة الى القرار.
كانت الحالة الاولى، الثورة العصبية مقترنة بحالة نفسية معينة تقمصتها - او بالاصح عادت اليها - شخصية العميد. انها حالة الطفل الذي ولد وتربى في سوهاج «قلب الصعيد» حيث التدخين مباح للرجال وعيب للرجال وربما السيدات، ولكنه اكثر من جريمة بالنسبة للفتيات.
اما الحالة التالية التي حلّت بالعميد «الغضب» فانها تعزى الى قشرة العقل المكتسبة، لكونه اباً. لقد تحرك الوالد الذي فيه وتململ، فالفتاة المدخنة هي في سن لمياء ابنته، ولا بد ان يحميها من ثم، من نفسها. لا بد من التحرك نحو المكتب والضغط على الزر لاستدعاء الساعي. ولكن شيئاً ما، من الداخل يوقفه.
ويعود العميد حيث كان يقف لمواصلة النظر.. وهذه المرة باملاءات الزمان والمكان.
زمان ومكان
ان الزمان «الوقت» يفرض بقاء العميد وحيداً في حجرته، فلقد انتهى العمل، ولم يعد الا القليلون في المكان. ربما كان الساعي هو الوحيد الذي يرتبط به وينتظر انصرافه، ولكن الساعي في الخارج والعميد وحيد في الداخل مما يعطيه الفرصة للتركيز على الحالة والتفكير في المشهد، ويتواطأ المكان كذلك، فالحجرة واسعة والنافذة ضيقة مما يغري بالتريث.. ويتأمل العميد: طالبة عادية، تحمل حقيبة كبيرة وقعت عيناه على محتوياته حين عبثت بها لاخراج علبة السجائر والكبريت. كتب وادوات مكياج رخيصة. شعرها مهوش على طريقة الجيل الجديد «انذاك» حتى الان فإن عناصر المشهد تنحدر بالتوتر من درجة الغضب الى طور ثالث: الذهول.
ولكن حركة التوتر لا تسير على الدوام باتجاه نازل، بل سرعان ما يرتفع مؤشر حرارة العميد الى الاعلى، وهو ما ينجم عن الطريقة التي تشعل بها الفتاة السيجارة، طريقة محترف، بل داعر، حسب تعبير الراوي.
غير ان «الذهول» كان الحالة المسيطرة، فسرعان ما يعود العميد اليها، ولكن للحظات ينتقل بعدها الى الاحساس بالصدمة. ولكن هل تمكن الصدمة صاحبها من اتخاذ القرار؟
في منتصف الزمن البنائي، وهو زمن مطابق لزمن تناول السيجارة «فنحن الان في لحظة منتصف السيجارة» كان العميد على اصراره: لا بد من فصل الطالبة. ولكن قرار الفصل بدا له غريباً، فثمة انفصام بين العقل «الواجب» والارادة «الاحساس» انها بنية كلاسيكية لعقدة كان على العميد ان يجد لها حلا. ولكن ليس قبل طور المراجعة، او مرحلة ما قبل القرار النهائي.
كانت طريقة الفتاة بتناول السيجارة وتفننها في التدخين لاحداث اكبر قدر من المتعة سبباً جعل العميد يلتفت الى ما حوله، ويتفقد النزوع الى النشوة في كيانه، فاذا به نزوع ميت، اما القاتل فهو نمط الحياة التي يعيش. لقد امضى ردحاً طويلا من عمره وهو يسعى الى الشهادة العليا، ولما نالها اصبح همه الترقي في الرتب والمناصب، وبعد ان تحقق له هذا كان القطار قد فاته، ولم يبق له سوى كيان تهده امراض الشيخوخة، وقد بات الان على اعتابها، وسوى زوجة جف في كيانها ماء الحياة. لم يول في يوم من الايام استحقاقات الروح من المتعة و«الحياة» اهتماما يذكر، ولم يعد يشغله الا ما يعوق حركة الحياة الى امام. انه يمضي الليل وبينه وبين النوم جفوة مبعثها سعيه للانتقام من احد رؤساء الاقسام، وتدبير مكائد لاحد الاساتذة المساعدين لحرمانه من الترقية، وغير هذا من الاهتمامات الصغيرة، التي ملأ بها حياته، وها هو يتنفس ويروح ويجيء وتمضي الايام.. نعم، ولكن هل عاش وارتشف من رحيق الحياة بمثل ما تفعل هذه الفتاة؟ كلا.

الالم الانساني
انه موقف متكرر في ادب يوسف ادريس، نعيشه، مثلا، في قصته الشهيرة «لغة الآي آي» حيث شخصية العميد تكاد تكون هي نفسها شخصية الدكتور الحديدي، الذي اختار بدوره سبيل العلم طريقاً للمجد، ولكنه يختار العمل بالشركات عوضاً عن الجامعة فيحقق ما يحققه من نجاح ومجد، ولكن على حساب روحه التي ينساها ويقطعها عن محيطها بل يستأصلها عن جذورها، اي عن رفاق الطفولة وصحب الشباب، الى ان كان يوم جاء اليه صديق طفولته القديم فهمي ناشداً مساعدته للعلاج من مرض السرطان، فتوقظ صرخات فهمي روح الحياة لدى الدكتور الحديدي، ويدرك ان آلام فهمي الجسدية أنكى وافظع من آلامه النفسية والروحية.
وهكذا فإن ازمة العميد، عند هذا المدى، هي موقف نموذجي، يتكرر، ضمن تنويعات فنية، وبما تتيحه ادوات السرد وتفردها بين اديب وآخر، بل بين عمل واخر لدى الاديب نفسه، اننا ازاء ظاهرة يرقى بهذا العطاء النموذجي الى المستوى الانساني حقاً.
قبل ان يصل بنا يوسف ادريس الى المرحلة الاخيرة، «القرار» كان قد عاد الى وضع انساني متوازن، تخلص فيه من الادوار التي تلبسته على مدار حياته: الصعيدي، والعميد، والوالد. عند هذه اللحظة وقع ما لم يكن يتوقعه. لقد ضبطته الفتاة المدخنة، وصوبت الى عينيه طلقة من عينيه اصابت مركز التوازن الاخلاقي وربما الفسيولوجي لديه، فهو الذي ضبط الان متلبساً. ولثوان ظل هذا المركز مشلولاً. وحين استعاد ارادته واسترد نفسه، كانت الحقيقة ماثلة بل متجسدة في يد ترتعش ارتعاشاً مرده بالتأكيد اسباب اخرى لا تعود الى الكبر او ضغط الدم. لقد انتصر العميد اخيراً، وهذا هو سر المأساة.
قضية الدور
انها قضية «الدور» واملاءاته اذن، انها معارك «الدور» التي نضطر لخوضها، وتكون النتيجة سلبنا جزءاً كبيراً من انسانيتنا، بل من احساسنا بالحياة لصالح هذا الدور وتلبسه.
يتحدث علماء «علم النفس الاجتماعي» عما يدعونه بسلطة الدور، ويقولون ان هذه السلطة تتعاظم في الوقت الذي يكون فيه المرء في مقتبل حياته. فطبيب الامتياز مثلا يحرص على ان تكون السماعة الموضوعة في الجيب ظاهرة للعيان اعلاناً مشروعاً منه عن دوره الجديد، في حين يكون حرص الطبيب الذي مضت عليه فترة اطول في المهنة على وضع السماعة بهذا الشكل اقل كثيراً.
انها معركة اذن بين الانسان والدور من يغيّر الاخر، الدور، ام من يحل فيه. لقد سلب الدور من العميد ابهج اللحظات في عمره. ويبدو ان وصوله الى لحظة التوازن المثالي بين الدور ومقتضياته من جهة، «وعيش الحياة» ومقتضيات «العيش» من جهة اخرى، قد جاء بعد فوات الاوان، وبعد ان ضعفت، ان لم يكن قد تلاشت ادوات هذا «العيش».
وذاك ما وجد العميد نفسه فيه ازاء هذه الطالبة التي استجابت بصدق - حسب رؤية القصة - لنوازع المتعة لديها، فكانت ترتشف السيجارة بصدق عفوي كمن يرتشف ماء الحياة.. اي ان متعة الحياة بالنسبة اليها «قيمة» ولئن حدث صدع بين الحياة والقيمة، فإن «السلطة» سببه، اي «الدور» الذي يتلبس العميد. ويبدو ان العميد ادرك هذه الاشكالية ومن ثم عزا حركته الاخيرة، الضغط على الزر، لحالة من اللاارادة كانت حلت فيه، اي انه يعيش حالة الصدع نفسها، ولكن بوعي، وشتان بين اللاارادة واللوعي.
معايير مزدوجة
مسألة كبرى اخرى، المحنا اليها في صدر الكلام، وهي مسألة قيمية كذلك وتلخصها المقولات حول التدخين التي طرحتها القضية في بدايتها: فهو، اي التدخين مباح للكبار، ولكنه جريمة بالنسبة لشابة في مقتبل العمر، والقصة تستبعد بداية عامل الحرص على الصحة، لأن ضرر التدخين لصحة رجل عجوز اضعاف ضرره بالنسبة لمن كان فائراً بالحياة، هكذا يتساءل الراوي، وهو تساؤل يفتح الباب على مصراعيه، او هكذا ينبغي له، نحو اطلالات معمقة على طبيعة الشخصية العربية وجدوى العديد من المواضعات الاجتماعية التي كادت تستقر، بل تكاد تتحول الى معتقدات لا تقبل الا التسليم بها وحتى تقديسها، ومن الواضح هنا ان ادب يوسف ادريس يحمل رؤية وموقفاً واضحاً من المسلمات الاجتماعية، ولا سيما فيما يتعلق بواقع المرأة، وفي هذا الصدد يمكن القول، مع قليل من التحفظ، ان اعمال ادريس تقدم فكرة مؤداها ان المرأة العربية تعيش لاسباب تتعلق بالنوع الاجتماعي حسب الجنس Gender عملية تمييز رهيبة، حيث يباح للرجل من المعاصي والممارسات والامتيازات ما لا يباح للمرأة، وهذا ما يأخذ تجلياته بصورة انصع في بعض رواياته القصيرة، في «الحرام» مثلاً، وفي «العيب» بصورة اكثر تحديداً.
منظومة متماسكة
في «العيب» نتعرف الى سناء الفتاة الخريجة حديثاً، حين تلتحق بعملها في احدى شركات القطاع العام المعنية بصرف اذونات الاستيراد، تصطدم سناء منذ البداية بما ترى انه يتعارض مع ما عاشت عليه وآمنت به من قيم ومواضعات مثالية في اسرته البرجوازية متواضعة الدخل، ولكن ثمة مناخاً آخر في الشركة، فمنذ البداية تجري محاولات مستميتة لجرها للاشتراك في اجراءت تخالف القانون مقابل الثمن، لقد صمدت سناء ما دامت في غنى عن هذا الثمن، ولكن حين يقع شقيقها الصغير الاثير فريسة مرض مفاجىء، ويتطلب علاجه قدراً من المال لا تملكه الاسرة، تسقط سناء في مستنقع الرشوة، تسقط بالتواطؤ ما بين صيادي الذمم من زملائها في الشركة والمجتمع نفسه الذي لم تسعف شبكة الامان المفترضة فيه هذه الاسرة، بل تركتها ضحية لاطماع المتربصين، لا بذمة سناء فحسب، بل بشرفها كذلك، في الوقت الذي كانت تقاوم محاولات الاغراء المادي وتصدها بكل صلابة، كانت تقاوم ايضاً تحرشات الزملاء وتصدها بكل ضراوة، ولكن ما ان انهارت جبهة الالتزام الوظيفي، حتى تتداعى معها جبهة الشرف الانثوي، فتسلم نفسها لاول من طرق الباب بعد السقوط الاول.
ان الانساق القيمية عند النموذج النسوي في ادب ادريس تتماهى ولا تكاد تنفصل او تتجاوز، وهي، اي هذه الانساق، منظومة متماسكة اذا تداعى نسق تتبعته الانساق الاخرى، في حين انها عند رجل يوسف ادريس، وفي رواية «العيب» تحديداً، انساق متجاورة، وقد تكون في حالة تعايش سلمي، اذ لا غضاضة عند احدهم ان يفرد الصلاة ويؤدي شعائرها، ثم بعد ذلك مباشرة يمد «الرجل» يده ويتناول الرشوة في اليد التي لم يجف عنها ماء الوضوء بعد.
نسق الانتماء
ان واحدة من اعظم الانساق القيمية لدى ادريس تكمن في علاقة الانسان بوطنه، ومن منا ينسى «صاحب مصر» في القصة التي تحمل هذا العنوان؟ ومن ينسى النموذج البشري، بل قل الانساني المتألق الذي تمثله شخصية الفلاح في مسرحية «ملك القطن»، وهو نموذج جديرة باشارة عابرة.
ان مالك الارض يكاد يستأثر بكل ما تنتجه من غلال بفضل جهد الفلاح المستأجر، حيث يخضع هذا لمحاسبات وابتزازات ومساومات تخرجه في نهاية الامر صفر اليدين، وربما مديناً للمالك، وحين يأتي حريق على محصول القطن يندفع الفلاح بكل قواه بل مخاطراً بحياته في سبيل انقاذ المحصول، وحين يبدي فلاح اخر استغرابه لسعيه لانقاذ القطن، يصرخ هذا الاخير في وجهه: «انه عرقي»، هكذا تسمو فكرة الانتماء الى الوطن عند يوسف ادريس، وتتعالى على حق الملكية، بل تتعالى حتى على الظلم الذي يصيب الانسان من وطنه.
مثل تلك الانساق الانسانية لا يمكن ان يجليها سوى الأدب العظيم، ويوسف ادريس اديب عظيم حقاً.