بإنتاج سنوي يبلغ 4.5 مليار دينار، ونحو 2600 منشأة صناعية توفر 66.5 ألف فرصة عمل مباشرة، وقيمة مضافة تصل إلى 1.8 مليار دينار، تمثل الصناعات الغذائية الأردنية ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي، إذ تغطي أكثر من 62% من احتياجات السوق المحلية، وتصل منتجاتها إلى أكثر من 109 دول. ومع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لقطاع الصناعات الغذائية للأعوام 2027–2029، تتجه الفرص نحو تعميق القيمة المضافة، وتعزيز التكامل بين الصناعة والزراعة، وتوسيع الأسواق التصديرية.
ويرى خبراء أن تعزيز تنافسية القطاع يتطلب تطوير المنتجات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتوظيف التكنولوجيا والابتكار، وتنويع الأسواق، بما يحقق قيمة اقتصادية أكبر ويعزز قدرة المنشآت على المنافسة محلياً ودولياً.
وقال خبير السياسات الزراعية والأمن الغذائي في مركز جنيف للدراسات والبحوث، الدكتور فاضل الزعبي، إن الاستراتيجية التي أعدتها وزارة الصناعة والتجارة والتموين بالشراكة مع غرفة صناعة الأردن، وبدعم من برنامج الإصلاح الاقتصادي، تتجاوز رصد إنجازات القطاع إلى تحديد تحديات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها أن جزءاً من نموه لا يزال قائماً على زيادة الطلب الكمي، ما يجعل تعميق القيمة المضافة أولوية أساسية.
وأوضح أن القيمة المضافة للقطاع تبلغ 1.8 مليار دينار، بما يعادل نحو 40% من إجمالي الإنتاج، الأمر الذي يستدعي تعزيز التصنيع المحلي للمدخلات وربط الصناعات الغذائية بالإنتاج الزراعي الأردني، لزيادة القيمة الاقتصادية المتحققة عبر مراحل الإنتاج.
وأشار إلى أن تغطية المنتجات المحلية أكثر من 62% من احتياجات السوق لا تعني تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، في ظل اعتماد صناعات على مدخلات مستوردة، مثل السكر والكاكاو ومشتقات الحليب ومواد التعبئة. ويستدعي ذلك توثيق العلاقة بين الزراعة والصناعة، وتطوير المنتجات، ورفع نسبة القيمة المضافة المحلية.
وفيما يتعلق بالصادرات، بيّن الزعبي أن القطاع حقق نمواً تراكمياً بنسبة 102% خلال خمس سنوات، لتبلغ صادراته 823 مليون دينار عام 2024. لكنه أشار إلى ضرورة تنويع الأسواق، في ظل استحواذ السعودية والعراق على حصة كبيرة من الصادرات إلى أبرز عشرة أسواق خلال الفترة 2022–2025، بقيم تراكمية بلغت 607 ملايين دينار للسعودية و482 مليون دينار للعراق.
وشدد الزعبي على أهمية التوسع في الأسواق الأوروبية والأميركية وأسواق المغتربين العرب، واستكمال منظومة التتبع الغذائي، ولا سيما لمنتجات الألبان واللحوم، مع معالجة كلف الشحن والتأمين التي تحد من التوسع في الأسواق البعيدة.
ودعا إلى التركيز على منتجات أعلى قيمة، مثل مشتقات التمور، وزيت الزيتون المعبأ بعلامات تجارية أردنية، والأغذية الجاهزة والصحية والأجبان المصنعة، إلى جانب تطوير دعم البحث والتطوير، والاستفادة من الطاقة الشمسية والحرارية في المصانع لخفض كلف الإنتاج.
من جهته، قال خبير الأمن الغذائي عمران الخصاونة إن الصناعات الغذائية تعزز الأمن الغذائي من خلال تحويل المواد الأولية إلى منتجات قابلة للتصنيع والحفظ والتخزين، بما يضمن استمرارية توفير الغذاء للمستهلك.
وفي هذا السياق، أشار الخصاونة إلى أن بيانات وزارة الصناعة والتجارة والتموين بتاريخ 4 آب 2026 أظهرت بلوغ مخزون القمح الفعلي نحو 610 آلاف طن، تكفي لنحو 6.4 شهر، إضافة إلى 302 ألف طن متعاقد عليها، لترتفع مدة الكفاية الإجمالية إلى قرابة 9.6 شهر. وقال إن الجمع بين المخزون الاستراتيجي وقاعدة التصنيع الغذائي المحلية يدعم قدرة المملكة على مواجهة صدمات الشحن وارتفاع الأسعار وتعطل طرق التجارة.
وأضاف أن رفع الإنتاجية وتحسين النقل والتخزين وكفاءة استخدام المواد والطاقة يسهم في احتواء الكلف والمحافظة على أسعار الغذاء ضمن حدود تتناسب قدر الإمكان مع القدرة الشرائية للمواطن.
وشدد على ضرورة جعل التكنولوجيا والابتكار محوراً لتطوير القطاع، في ظل محدودية الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه، إذ يقل نصيب الفرد في الأردن عن 61 متراً مكعباً سنوياً لكافة الاستخدامات.
وبيّن أن الهدر الغذائي لا يقتصر على خسارة المنتجات، بل يشمل المياه والطاقة والعمل والموارد المالية المستخدمة في الإنتاج والنقل والتخزين، ما يجعل تكامل التكنولوجيا مع الزراعة والصناعة والتسويق ضرورة لإنتاج قيمة غذائية أكبر بموارد أقل.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي إياس الشعيبي إن الصناعات الغذائية تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الحقيقي، إذ تسهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر أكثر من 66 ألف فرصة عمل مباشرة، وقد يصل عدد فرص العمل المباشرة وغير المباشرة إلى نحو 100 ألف، فضلاً عن تغطية أكثر من 60% من احتياجات السوق المحلية.
وفي ملف التصدير، اعتبر الشعيبي أن نمو الصادرات بنسبة 102% خلال خمس سنوات يشكل قاعدة للتوسع، لكنه شدد على أهمية تنويع الأسواق، في ظل تركّز الصادرات في السعودية والعراق. كما رأى أن النمو المسجل في السوق الأميركية، رغم انطلاقه من قاعدة أصغر، يبرز قدرة المنتجات الأردنية على الوصول إلى أسواق ذات متطلبات تنافسية مرتفعة.
وأكد الشعيبي أن تعميق القيمة المضافة يتطلب الانتقال من تصدير المنتجات إلى بناء علامات تجارية أردنية قوية، ومساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الحصول على شهادات الجودة الدولية، وتعزيز التعاون بين المصانع والجامعات لتطوير منتجات مبتكرة، بما فيها الأغذية العضوية والجاهزة للأكل.
وأضاف أن تعزيز الصادرات يستلزم تحسين تمويل التجارة، وتطوير خدمات التبريد والتخزين واللوجستيات، وتوفير بيئة تنظيمية مستقرة وإجراءات ترخيص ورقابة واضحة وسريعة. ورأى أن الأردن يمتلك مقومات تعزز فرصه ليصبح مركزاً إقليمياً للتصنيع الغذائي، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة لا تستهدف زيادة الصادرات فحسب، بل رفع القيمة المتحققة من كل طن يتم تصديره.