كشفت دراسة واسعة شملت نحو مليون شخص في المملكة المتحدة عن ارتباط بين تناول الشاي والقهوة بدرجات حرارة مرتفعة جدا وزيادة خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، إذ بلغ الخطر النسبي لدى مفضلي المشروبات شديدة السخونة أكثر من ثلاثة أضعاف ما سُجل لدى مفضلي المشروبات الدافئة.
ووفقا لما نشره موقع «ScienceAlert»، حلل الباحثون بيانات 977 ألفا و282 مشاركا ضمن دراستين واسعتين، هما «دراسة مليون امرأة» و«البنك الحيوي البريطاني»، في محاولة لتحديد العلاقة بين درجة حرارة المشروبات الساخنة وخطر الإصابة بسرطان المريء.
لكن الباحثين أكدوا أن النتائج تكشف ارتباطا إحصائيا، ولا تثبت أن المشروبات شديدة السخونة تسبب السرطان بصورة مباشرة.
كيف ارتبطت حرارة المشروبات بخطر الإصابة؟
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يفضلون المشروبات شديدة السخونة سجلوا خطرا نسبيا أعلى للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء بمقدار 3.17 مرة، مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة، بعد احتساب معدل استهلاك المشروبات.
كما ارتفع الخطر النسبي بنسبة 69% لدى الأشخاص الذين يفضلون المشروبات الساخنة، فيما سجل الأشخاص الذين يتناولون ستة مشروبات ساخنة أو أكثر يوميا ارتفاعا بنسبة 71%، مقارنة بمن يستهلكون عددا أقل، بعد مراعاة درجة حرارة المشروبات.
ولم يرصد الباحثون اختلافات كبيرة في العلاقة بين الأشخاص الذين يفضلون الشاي وأولئك الذين يفضلون القهوة، كما لم يظهر أن إضافة الحليب تؤثر بصورة ملحوظة في المخاطر المرتبطة بدرجة الحرارة.
وتشير هذه النتائج إلى أن درجة حرارة المشروب قد تكون عاملا مهما إلى جانب كمية الاستهلاك، إلا أن تحديد حجم التأثير الفعلي يتطلب مزيدا من الدراسات.
لماذا تثير المشروبات شديدة السخونة القلق؟
تتوافق النتائج مع تحذير الوكالة الدولية لبحوث السرطان، التي صنفت عام 2016 شرب المشروبات شديدة السخونة، التي تتجاوز حرارتها 65 درجة مئوية، ضمن العوامل التي يُحتمل أن تكون مسببة للسرطان لدى البشر.
وجاء هذا التصنيف بعد ظهور أدلة تربط استهلاك المتة، وهو مشروب عشبي شائع في أميركا الجنوبية، عند درجات حرارة مرتفعة بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء.
وقالت كيرين بيبر، عالمة وبائيات التغذية بجامعة أكسفورد، إن أبحاثا دولية ربطت منذ فترة تناول مشروبات مثل المتة بدرجات حرارة مرتفعة جدا بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع سرطان المريء، لكن مدى انطباق هذه النتائج على عادات شرب الشاي والقهوة في المجتمعات الغربية لم يكن واضحا بالقدر نفسه.
هل يمكن لخفض حرارة المشروبات أن يمنع الإصابة بالسرطان؟
قدر مؤلفو الدراسة أن خفض درجة حرارة المشروبات من شديدة السخونة إلى ساخنة قد يمنع نحو 14% من حالات سرطان الخلايا الحرشفية في المريء، بما يعادل قرابة 440 حالة سنويا في المملكة المتحدة، إذا ثبت أن العلاقة بين الحرارة وخطر الإصابة علاقة سببية.
لكن هذا التقدير يظل افتراضيا، ولا يمثل عددا مؤكدا من الحالات التي يمكن منعها فعليا.
ومن القيود المهمة أن الدراسة لم تتضمن قياسات مباشرة لدرجة حرارة المشروبات التي تناولها المشاركون، بل اعتمدت على وصفهم لدرجة الحرارة المفضلة، مثل شديدة السخونة أو ساخنة أو دافئة.
وأشار الباحثون إلى أن النتائج قد تعني أن درجات حرارة أقل من 65 درجة مئوية يمكن أن ترتبط أيضا بزيادة الخطر، لكن ذلك يحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد العلاقة بصورة أدق.
كيف يمكن أن تؤثر الحرارة في المريء؟
لم تختبر الدراسة الآليات البيولوجية المسؤولة عن الارتباط المرصود بصورة مباشرة، لكن الباحثين رجحوا أن يكون التلف الحراري المتكرر لأنسجة المريء أحد التفسيرات المحتملة.
فالتعرض المتكرر للحرارة المرتفعة قد يضر بالغشاء المخاطي المبطن للمريء، ويؤدي إلى إصابات والتهابات متكررة قد تسهم في تهيئة الظروف لحدوث تغيرات خلوية غير طبيعية.
وتدعم هذا الاحتمال دراسات أجريت على الحيوانات، أظهرت أن شرب الماء بدرجة حرارة 70 مئوية ارتبط بظهور آفات سابقة للتسرطن وتلف أنسجة المريء، بينما لم تظهر التأثيرات نفسها عند درجات حرارة أقل.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نتائج الدراسات الحيوانية دليلا قاطعا على حدوث التأثير ذاته لدى البشر.
ما الطريقة الأكثر أمانا لشرب الشاي والقهوة؟
في ضوء الأدلة المتاحة، يمكن اتباع بعض الاحتياطات البسيطة:
- اترك المشروب يبرد قليلا: تجنب شرب الشاي أو القهوة فور تحضيرهما إذا كانا شديدي السخونة.
- لا تعتمد على اللون أو البخار وحدهما: فقد لا يكونان كافيين لتحديد درجة حرارة المشروب بدقة.
- خفف سرعة الشرب: امنح المشروب وقتا ليبرد قبل تناوله، خصوصا إذا كان ساخنا جدا.
- انتبه إلى درجة الحرارة أكثر من نوع المشروب: تشير النتائج إلى أن الارتباط المرصود لم يختلف بصورة كبيرة بين الشاي والقهوة.
الخلاصة: تشير دراسة واسعة إلى ارتباط بين تفضيل المشروبات شديدة السخونة وزيادة خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، لكن العلاقة السببية لم تُثبت بعد. ويظل تجنب شرب السوائل شديدة السخونة إجراء احترازيا معقولا، في انتظار مزيد من الأبحاث التي تحدد درجة الحرارة الأكثر أمانا وحجم المخاطر بدقة.