أثار ارتفاع حالات الإصابة بفطر نادر يُعرف باسم «كلادوفيالوفورا بانتيانا» (Cladophialophora bantiana) قلق الباحثين، بعدما سجل مختبر مرجعي أمريكي زيادة ملحوظة في اكتشافه، وسط تحذيرات من خطورة العدوى التي قد تصيب الدماغ وتتسبب في مضاعفات شديدة، مع معدل وفيات يتراوح بين 60 و70%.
ووفقًا لتقرير صادر عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، رُصدت 49 حالة مؤكدة أو محتملة للإصابة بالفطر في عينات سريرية جُمعت بين يناير/كانون الثاني 2009 ويوليو/تموز 2026، مع الإشارة إلى أن غياب نظام وطني شامل لرصد هذه العدوى يجعل تقدير حجم انتشارها الفعلي أمرًا صعبًا.
كيف يهاجم الفطر الدماغ؟
يُعد هذا الفطر أحد أنواع العفن الداكن الموجود في البيئة، بما في ذلك التربة والمواد العضوية المتحللة. وتكمن خطورته في ميله إلى إصابة الجهاز العصبي المركزي، حيث يمكن أن يؤدي إلى تكوّن خراجات دماغية تتسبب في التهاب الأنسجة المحيطة وتورمها.
وقد تظهر الإصابة في صورة صداع واضطرابات عصبية ومشكلات في الرؤية أو الذاكرة، بحسب موقع الخراجات وشدة العدوى. وأظهرت بيانات التقرير أن 43 حالة من أصل 49 ارتبطت بعينات مأخوذة من داخل الجمجمة، بينما كُشف عن الفطر في ست عينات من الرئة.
ولا تزال آلية انتقال الفطر إلى جسم الإنسان غير مفهومة بالكامل، لكن الباحثين يرجحون أن تحدث العدوى من خلال استنشاقه أو دخوله عبر جرح في الجلد، قبل أن يصل إلى الدماغ في بعض الحالات.
زيادة في الإصابات خلال عامين
أظهرت بيانات المختبر المرجعي المتخصص في جامعة واشنطن ارتفاعًا في عدد الحالات المكتشفة، إذ تراوح العدد بين حالة واحدة وخمس حالات سنويًا خلال الفترة من 2009 إلى 2023، قبل أن يرتفع إلى ثماني حالات في عام 2024، ثم إلى 14 حالة في عام 2025.
كما ارتفع معدل اكتشاف الفطر في عينات الجهاز العصبي المركزي بنسبة 210%، من متوسط 8.4 حالات لكل ألف عينة خلال الفترة بين 2017 و2023، إلى 26 حالة لكل ألف عينة في عام 2025.
وسُجلت الإصابات في 21 ولاية أمريكية، إضافة إلى العاصمة واشنطن، وتصدرت كاليفورنيا القائمة بست حالات، تلتها فلوريدا وتكساس بخمس حالات لكل منهما، ثم بنسلفانيا بأربع حالات.
هل يصيب الأشخاص الأصحاء؟
من الجوانب التي تثير قلق الباحثين أن الإصابة لا تقتصر على الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في المناعة؛ إذ تشير الأدبيات الطبية التي استند إليها التقرير إلى أن نحو نصف المرضى لم تكن لديهم حالات سابقة معروفة تؤثر في كفاءة جهازهم المناعي.
وتزداد صعوبة التعامل مع العدوى بسبب تشابه أعراضها أحيانًا مع أمراض أخرى، من بينها أورام الدماغ، فضلًا عن تعقيد التشخيص والعلاج، وعدم توافر أدلة كافية تحدد بروتوكولًا علاجيًا موحدًا يحقق أفضل النتائج لجميع المرضى.
هل يقف تغير المناخ وراء الزيادة؟
حتى الآن، لا توجد أدلة حاسمة تفسر الارتفاع المسجل في الحالات. وتؤكد المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن أسباب هذه الزيادة لا تزال مجهولة.
وكانت دراسة فرنسية نُشرت عام 2024 قد تناولت 23 مريضًا مصابًا بالعدوى، فيما أشارت تقارير إلى ارتفاع مماثل في حالات الإصابة بفرنسا خلال عام 2022، الذي شهد درجات حرارة قياسية. لكن تزامن ارتفاع الإصابات مع فترات الحر لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية بين تغير المناخ وانتشار الفطر.
هل سُجلت إصابات في العالم العربي؟
لم تقتصر الحالات الموثقة على الولايات المتحدة وأوروبا، إذ تناولت دراسة نُشرت في دورية «نيوروساينسز» عام 2023 اثنتي عشرة حالة من العدوى الدماغية الناجمة عن فطريات داكنة، شُخصت في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض.
وكانت إحدى هذه الحالات ناجمة عن فطر «كلادوفيالوفورا بانتيانا»، وأصابت شابًا لم يُظهر التقييم الطبي لديه ضعفًا مناعيًا واضحًا.
وتؤكد هذه الحالة إمكانية حدوث العدوى في المنطقة، لكنها لا تعني وجود تفشٍّ للفطر في السعودية أو العالم العربي.
الحاجة إلى رصد أدق
يدعو الباحثون إلى تعزيز الإبلاغ عن الإصابات وتوثيق الحالات التي تكتشفها المختبرات السريرية، بهدف تحديد عوامل الخطورة ومصادر التعرض المحتملة وفهم أنماط انتشار الفطر بصورة أفضل.
وتبقى الأرقام المعلنة غير كافية لتحديد العدد الحقيقي للإصابات، في ظل غياب نظام وطني شامل للرصد واحتمال عدم اكتشاف بعض الحالات أو تشخيصها على نحو صحيح، بينما لا تزال أسباب الزيادة وآليات انتقال العدوى بحاجة إلى مزيد من البحث العلمي.