أستراليا شريك واعد لتنويع مصادر المواد الأولية وفتح أسواق جديدة
أكد خبراء اقتصاديون أن مباحثات جلالة الملك عبدالله الثاني مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في كانبرا تحمل أبعاداً استراتيجية واقتصادية تتجاوز تعزيز العلاقات الثنائية، وتمهد لتوسيع الشراكات الأردنية مع الاقتصادات المؤثرة في آسيا والمحيط الهادئ، واستقطاب الاستثمارات النوعية وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الوطنية.
وقالوا في أحاديث لـ(الرأي) إن التحركات الملكية تعزز مكانة المملكة على خارطة الاستثمار الدولي، من خلال بحث فرص التعاون مباشرة مع القادة وصناع القرار، مشيرين إلى أهمية ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشاريع اقتصادية تسهم في تطوير الصناعات الوطنية ونقل التكنولوجيا والخبرات، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات التعليم والأمن وإدارة الموارد المائية.
وأصدرت المملكة الأردنية الهاشمية وأستراليا، أمس الأربعاء، بياناً مشتركاً في ختام المباحثات الملكية، أكد الصداقة الراسخة بين البلدين القائمة على الاحترام المتبادل والالتزام المشترك بالسلام والأمن والازدهار. ورحب الجانبان بوضع أجندة لتعزيز التعاون، استناداً إلى الإعلان المشترك الصادر عام 2016، بما يعكس اتساع نطاق العلاقات الثنائية.
وقال رئيس غرفة صناعة الزرقاء، المهندس فارس حموده، إن التركيز على الملفات الاقتصادية بالتوازي مع القضايا السياسية والإقليمية يسهم في التعريف بالبيئة الاستثمارية الأردنية، وبحث فرص التعاون في المجالات ذات المنفعة المشتركة، ولا سيما الصناعات التي تعتمد على المواد الأولية والموارد المعدنية.
وأوضح أن الخبرات الأسترالية في تعدين الذهب والحديد تمثل فرصة لتطوير التعاون الصناعي والتجاري، وتنويع مصادر المواد الأولية اللازمة لعدد من الصناعات الأردنية، بما فيها الصناعات الغذائية والحلي والمجوهرات، خصوصاً في ظل التقلبات العالمية التي أثرت في سلاسل التوريد.
وأضاف أن تعزيز الشراكات التجارية مع أستراليا يتيح كذلك فرصاً لفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الوطنية واستقطاب استثمارات أسترالية، لا سيما في الصناعات الدفاعية والغذائية وغيرها من الصناعات الاستراتيجية. وأشار إلى إمكانية الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي يتمتع بها الأردن مع دول وتكتلات اقتصادية مختلفة لتوسيع نفاذ المنتجات الأردنية إلى الأسواق العالمية وتعزيز تنافسيتها.
وأكد حموده أهمية دور القطاع الخاص في ترجمة التفاهمات السياسية إلى شراكات عملية، من خلال بناء علاقات مباشرة بين الشركات الأردنية والأسترالية، واستكشاف فرص الاستثمار وتطوير التعاون في التعليم والتكنولوجيا والبحث والتطوير، بما يدعم الإنتاجية ويوفر فرص العمل.
ولفت إلى أن أستراليا تمتلك خبرات واسعة في إدارة الموارد المائية ومكافحة الجفاف والتصحر، إلى جانب تقنيات الزراعة المستدامة وتعزيز الأمنين الغذائي والمائي، ما يتيح للأردن الاستفادة من التجربة الأسترالية في التعامل مع تحديات شح المياه وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
من جهته، قال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان إن مباحثات جلالة الملك مع رئيس الوزراء الأسترالي تكتسب أهمية اقتصادية وإنسانية في ضوء الدور الذي يؤديه الأردن في استضافة اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية وتعزيز استقرار المنطقة، وما يرافق ذلك من ضغوط على الخدمات العامة والبنية التحتية والموارد الوطنية.
وأوضح أن استمرار هذه الأعباء يستدعي توسيع الشراكات الدولية وتطوير آليات دعم أكثر استدامة، بما يساعد على حماية الموارد الوطنية وتعزيز قدرة المملكة على مواصلة النمو. وأشار إلى أن خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2026 قدرت متطلبات تمويل البرامج الموجهة للاجئين والمجتمعات المستضيفة في الأردن بنحو 650.5 مليون دولار، تشمل قطاعات التعليم والصحة والمياه والحماية والاحتياجات الأساسية والتمكين الاقتصادي.
وبيّن السرحان أن هذا المبلغ يمثل الاحتياجات التمويلية المطلوبة للبرامج، ولا يعني بالضرورة إنفاقاً مباشراً من الموازنة العامة، لكنه يعكس حجم الاحتياجات التي تتطلب استجابة وطنية ودولية مشتركة.
وأكد أهمية الانتقال من الاعتماد على التمويل الإنساني قصير الأجل إلى برامج دعم متعددة السنوات، تتيح تطوير المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والخدمات في المجتمعات المستضيفة، بما يخفف الضغط على البنية التحتية ويحقق منافع مستدامة للمواطنين واللاجئين، ويساعد الحكومة على التخطيط المالي وتوجيه الموارد نحو الأولويات الاقتصادية والتنموية.
وأشار إلى أن التعاون الأردني الأسترالي في المجال الإنساني يمتلك أساساً يمكن البناء عليه، لافتاً إلى تخصيص أستراليا نحو 20 مليون دولار أسترالي للأونروا ضمن تقديرات مساعداتها للسنة المالية 2026-2027، إلى جانب تقديم مليوني دولار أسترالي خلال العام الماضي للهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية لتوفير مستلزمات طبية للمستشفيات الميدانية في غزة.
وأوضح أن هذه المساهمات تتيح المجال لتطوير التعاون من تقديم المساعدات العاجلة إلى شراكات أكثر انتظاماً في الخدمات الطبية والإمداد الإنساني وإدارة العمليات اللوجستية، مع ضرورة التمييز بين الدعم الموجه إلى غزة والمساعدات التي تستهدف تخفيف الأعباء داخل الأردن.
واقترح دراسة إنشاء برنامج تعاون متخصص في سلاسل الإمداد الطبي والإنساني، يستفيد من خبرات المؤسسات في البلدين، ويسهم في تحسين سرعة الاستجابة وخفض تكاليف نقل المستلزمات وتخزينها، وتعزيز جاهزية الأردن للتعامل مع الطوارئ الإقليمية.
وبيّن السرحان أن التعاون الدفاعي والأمني يحمل بدوره أبعاداً اقتصادية، إذ تنعكس التوترات الإقليمية على تكاليف الشحن والتأمين وحركة السياحة والتجارة، وتزيد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين. وأكد أن تعزيز التعاون مع أستراليا في التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق الأمني يدعم قدرة المملكة على حماية استقرار بيئتها الاقتصادية والتعامل مع المخاطر التي تواجه سلاسل التوريد والنقل الدولي.
ولفت إلى أهمية ما تضمنه البيان المشترك بشأن حرية الملاحة وانسياب التجارة، نظراً إلى ارتباطهما المباشر بمصالح الاقتصاد الأردني المنفتح على الأسواق الخارجية، موضحاً أن استقرار الممرات التجارية وخفض المخاطر الإقليمية يساعدان في الحد من التكاليف الإضافية التي تتحملها الشركات والمستهلكون، ويعززان قدرة القطاعات الإنتاجية والسياحية على التخطيط والتوسع.
وشدد السرحان على ضرورة تطوير برنامج شراكة متوسط الأجل يربط جانباً من الدعم الدولي بمشاريع تخدم المجتمعات المستضيفة، خصوصاً في التعليم والصحة والمياه، بالتوازي مع توسيع التعاون في الاستجابة الطبية واللوجستية للأزمات. وأكد أهمية قياس نتائج الشراكة بحجم التمويل المستدام الذي يتم حشده، والمشاريع الخدمية التي تدخل مرحلة التنفيذ، ومدى تحسن قدرتها على تلبية احتياجات السكان، وليس بحجم التعهدات المعلنة وحده.
بدوره، قال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن، المهندس إيهاب قادري، إن مباحثات جلالة الملك مع رئيس الوزراء الأسترالي تعكس توجهاً نحو تنويع الشراكات الاقتصادية وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني، في مرحلة تشهد تغيرات في موازين الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتحالفات التجارية.
وأوضح أن أستراليا تمتلك قدرات متقدمة في التعدين والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والخدمات، بما يتيح فرصاً للتكامل مع أولويات الأردن في الاستثمار والصناعات ذات القيمة المضافة وتنمية الموارد البشرية. وأضاف أن المستوى السياسي للمباحثات يعكس أهمية توظيف العلاقات الدبلوماسية والمكانة الدولية للمملكة في بناء شراكات اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة.
وأشار قادري إلى أن الترابط بين الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية يكتسب أهمية متزايدة، في ظل تأثير الاعتبارات الجيوسياسية والأمن الاقتصادي في قرارات الاستثمار والتجارة. وأكد أن مكانة الأردن كشريك موثوق تتيح فرصاً لتطوير التعاون مع أستراليا، شريطة الانتقال إلى خطوات تنفيذية تربط المؤسسات والشركات في البلدين وتحدد فرصاً عملية في الصناعات التحويلية والتكنولوجيا والتدريب المتقدم والخدمات والاستثمار المشترك.
وأضاف أن المطلوب لا يقتصر على فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية، بل يشمل بناء علاقات تنقل المعرفة، وترفع الإنتاجية، وتوسع القاعدة التصديرية، وتجذب استثمارات ذات قيمة مضافة مرتفعة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وأكد قادري أن القيمة الاستراتيجية للجولات الملكية تكمن في توسيع الخيارات السياسية والاقتصادية للأردن، مشيراً إلى أن تنويع الشراكات وتعزيز القدرات الإنتاجية يزيدان مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على حماية مصالحه وتحقيق نمو مستدام في ظل التقلبات العالمية.