تفرض التحديات التواصلية والانفعالية التي يواجهها الطلبة ذوو الإعاقة — لا سيما المصابين باضطراب طيف التوحد، والصعوبات المعرفية، والتحديات الحسية والحركية — ضرورة الانتقال بالعملية التعليمية والنفسية من القنوات اللفظية التقليدية إلى وسائط تعبيرية أكثر اتساعًا ومرونة. وفي ظل الحاجة الميدانية إلى أطر علمية تتجاوز العشوائية في الأنشطة المدرسية، يبرز التوظيف التربوي للفنون والعلاج بالفن كمنظومة مساندة تعزز الصحة النفسية، وتفتح نوافذ للتواصل غير اللفظي، وتدعم فرص التعليم الدامج.
وفي هذا السياق، تطرح الدكتورة سماهر — الحاصلة على درجة الدكتوراه في التربية الخاصة بمرتبة الشرف، والمحاضرة في كبرى الجامعات السعودية والمدربة المعتمدة لدى وزارة التربية والتعليم الأردنية، وصاحبة الخبرة الممتدة لأكثر من عشرين عامًا — رؤية متكاملة تحت عنوان «العلاج بالفن من التعبير الصامت إلى التدخل التربوي الداعم»، مؤكدة أن الفن يمتلك خصائص فريدة تجعله أداة نمائية وتواصلية فارقة؛ حيث تقول:
"حين يعجز الكلام عن الوصول إلى ما في الداخل، قد تتكلم اليد؛ وحين لا يستطيع الطفل أن يقول: «أنا خائف»، أو «أنا غاضب»، أو «أنا أشعر أنني مختلف»، فقد يقول ذلك من خلال لون، أو خط، أو شكل، أو مساحة تركها فارغة في ورقة. ومن هنا لا يصبح الفن مجرد إنتاج جمالي، ولا الرسم مجرد نشاط ترفيهي، وإنما يغدو لغة بديلة للتعبير، ومساحة آمنة للتواصل، ومدخلًا لفهم الذات ودعم النمو الاجتماعي والانفعالي."
وأوضحت الدكتورة سماهر أن السؤال المحوري في البيئة التربوية لا ينبغي أن يكون حول قدرة الطالب على الرسم، بل عما يتيحه الفن له من فرص للتعلّم والمشاركة والتعبير عما يصعب تحقيقه بالكلام وحده. وأشارت إلى أن هذا التوجه يستند إلى قاعدة بحثية عالمية متنامية، منها مراجعة منظمة الصحة العالمية (WHO, 2019) لأكثر من 3000 دراسة أكدت الدور الإيجابي للفنون في تعزيز الرفاه النفسي والوقاية.
كما شددت على أهمية التفرقة المهنية والأخلاقية بين ثلاثة مستويات أساسية:
النشاط الفني: الموجه نحو الاستمتاع وتنمية المهارات والتعلم العام.
التوظيف التربوي للفن: الذي يمارسه المعلم والتربوي لتحقيق أهداف تعليمية ونمائية واجتماعية محددة (كاستخدام الألوان في تبسيط المفاهيم، أو رسم المشاعر، أو إنجاز لوحات جماعية لتعزيز الانتماء).
العلاج بالفن: وهو تدخل مهني متخصص يدمج بين النظرية النفسية والعملية الإبداعية ضمن علاقة علاجية يقودها معالج مؤهل وفق معايير معتمدة.
ونبّهت الدكتورة سماهر إلى ضرورة تجنب تفسير الألوان والرموز بشكل قطعي أو عشوائي (كربط اللون الأسود بالإكتئاب تلقائيًا)، أو استخدام الرسم المدرسي كأداة لتشخيص الاضطرابات النفسية، داعية إلى اعتماد مسار منظّم يبدأ من الملاحظة والحوار والاستجابة في سياقها التربوي الشامل.
وحول تكييف الأنشطة الفنية لتلائم كافة فئات التربية الخاصة، بينت الدكتورة سماهر أن الفن متعدد الحواس ويمنح الطالب حرية الاختيار والفاعلية؛ فمع طيف التوحد يُوظف الرسم المنظم والقصص البصرية لتعزيز المرونة والتفاعل، ومع الإعاقة العقلية تُبسط التعليمات وتُستخدم أدوات سهلة الإمساك، ومع الإعاقة الحركية تُعدل الأدوات أو يُتاح الرسم الرقمي، ومع الإعاقة السمعية تُعتمد القصص والتسلسل البصري، في حين يتحول الفن مع الإعاقة البصرية إلى تجربة لمسية ومجسمة قائمة على الطين والخامات الملمسية لأن "الفن ليس مرادفًا للرؤية فقط".
كما دعت إلى دمج الأهداف الفنية ضمن الخطط التربوية الفردية (IEP)، واستثمار التكنولوجيا والرسم الرقمي والذكاء الاصطناعي كأدوات مساعدة للتعبير مع مراعاة الخصوصية وأخلاقيات الممارسة، والعمل على بناء منظومة مدرسية دامجة تعتمد نموذجًا رباعيًا: (الهدف، التصميم، التكييف، القياس).
واختتمت الدكتورة سماهر تصريحها بالقول:
"فن بلا هدف هو مجرد نشاط، وفن بهدف هو تدخل تربوي، أما الفن القائم على هدف وتكييف وقياس فهو ممارسة تربوية قائمة على الدليل. إن أعظم قيمة للفن مع الطلبة ذوي الإعاقة ليست أن نجعلهم يرسمون بصورة أفضل، بل أن نجعلهم يعبّرون أكثر، ويتواصلون أكثر، ويشعرون بأن لهم مكانًا وصوتًا وأثرًا؛ فنحن لا نبحث عن طفل يرسم كما نريد، بل عن طفل يجد طريقته الخاصة في أن يقول: أنا هنا."