بينما تتجه أنظار العالم إلى قطاع غزة، تتواصل في الضفة الغربية المحتلة عمليات اقتلاع السكان الفلسطينيين من منازلهم ومخيماتهم، في ما وصفته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بأنه تهجير جماعي متواصل لا يحظى بالاهتمام الكافي من الرأي العام.
وقالت الصحيفة، في افتتاحية نشرتها على صفحتها الأولى، إنه منذ بدء عملية «السور الحديدي» في كانون الثاني 2025، أُجبر أكثر من 33 ألف فلسطيني على مغادرة مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ولا يزالون ممنوعين من العودة إلى منازلهم.
وأطلقت قوات الاحتلال العملية في مخيم جنين في كانون الثاني 2025، ثم مخيم نور شمس في شباط من العام نفسه، تحت ذريعة استهداف البنية التحتية للمجموعات المسلحة، غير أن تقريراً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، صدر في أيلول 2026، أشار إلى أن القوات الإسرائيلية فرضت سيطرتها على المخيمات الثلاثة وأجبرت سكانها على النزوح.
وترافق التهجير مع عمليات تدمير واسعة طالت المنازل والطرق والبنية التحتية، إذ أظهرت البيانات، حتى تشرين الأول 2025، تدمير أو تضرر 52% من مباني مخيم جنين، و48% من مباني مخيم نور شمس، و36% من مباني مخيم طولكرم. واستخدمت قوات الاحتلال الغارات الجوية والجرافات المدرعة والتفجيرات المتحكم بها، ما جعل مساحات واسعة من المخيمات غير صالحة للسكن.
وشملت الإجراءات قطع المياه والكهرباء ومنع دخول المساعدات الإنسانية، في وقت وثّق فيه التقرير مقتل 102 فلسطيني، بينهم 21 طفلاً، خلال الفترة التي يغطيها، بما يمثل 46% من إجمالي القتلى الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال تلك الفترة.
وفي شباط 2025، أصدر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أوامره للجيش بالبقاء في المخيمات الثلاثة، معلناً أن السكان الذين أُجبروا على النزوح لن يُسمح لهم بالعودة. وبحلول تموز 2026، ظل نحو 33,362 نازحاً من المخيمات الثلاثة ممنوعين من العودة، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وزعم كاتس، أن المخيمات تحولت إلى «أوكار للإرهاب» تنشط فيها مجموعات مسلحة، معتبراً أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي فيها ضروري، كما تحدث عن مغادرة نحو 40 ألف فلسطيني للمخيمات، مدعياً أن العمليات العسكرية أسهمت في خفض العمليات في الضفة الغربية بنسبة 80%.
وكشف عن تفاهمات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتغيير المفهوم الأمني الإسرائيلي في الضفة الغربية، والانتقال من سياسة الاقتحامات العسكرية المتكررة إلى التمركز الدائم داخل المخيمات، في خطوة تعكس توجهاً نحو تكريس الوجود العسكري الإسرائيلي فيها لفترات طويلة.
وفي المقابل، انتقدت «هآرتس» ما وصفته بالتلاعب الذي يمارسه ممثلو المشروع الاستيطاني بالاعتبارات الأمنية، مؤكدة أن هذه الاعتبارات لا تعفي الدولة من مسؤولياتها القانونية تجاه السكان الفلسطينيين.
وذهب تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أبعد من ذلك، إذ قال المفوض السامي فولكر تورك إن الطريقة التي نُفذت بها عملية «السور الحديدي» تثير مخاوف من أن يكون هدفها إبعاد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وإفساح المجال أمام مزيد من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وحذر التقرير من أن التدمير غير المبرر للمنازل والطرق والبنية التحتية، وما ترتب عليه من تغييرات في التخطيط العمراني والجغرافي للمخيمات، يثير مخاوف من إعادة تشكيلها بما يرسخ الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الضفة ويطيل أمده.
وأشار أيضاً إلى أن إسرائيل تربط عودة السكان بشروط تتعلق بإدارة الخدمات الأساسية، من بينها منع «الأونروا» من تقديم خدمات التعليم والصحة داخل المخيمات الثلاثة، وإسناد هذه الخدمات إلى السلطة الفلسطينية، على غرار ما يجري في القرى والبلدات التي لا تتمتع بوضع المخيمات.
ويرى التقرير أن هذه الإجراءات قد تستهدف، ضمن سياق أوسع، تقويض وضع اللاجئ الفلسطيني وهويته تدريجياً، بما يثير مخاوف من المساس بقضية اللاجئين وحقوقهم.
وتصاعد الجدل بشأن استمرار منع السكان من العودة بعد أن أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، في 11 تشرين الأول 2026، قراراً طلبت فيه من الدولة تقديم جدول زمني لاستكمال الإجراءات اللازمة لعودتهم، وحددت 23 تشرين الثاني موعداً نهائياً للرد.
وأثار القرار غضب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الدفاع، فدعا نتنياهو وكاتس، إلى إصدار تعليمات للجيش بعدم التعاون مع المحكمة، وعدم السماح بإعادة تأسيس ما وصفه بـ"مخيمات الإرهاب».
من جانبه، لوّح كاتس، بإمكانية اللجوء إلى الكنيست لسن تشريع خاص يضمن استمرار بقاء الجيش في المخيمات، في حال تواصل الضغط القضائي لإعادة السكان.
واعتبرت «هآرتس» أن حرمان السكان من إمكانية العودة يشكل ترحيلاً قسرياً يندرج ضمن جرائم الحرب، في ظل استمرار منع عشرات الآلاف من الفلسطينيين من استعادة منازلهم وحياتهم في المخيمات.
وتثير محاولات منع «الأونروا» من مواصلة تقديم خدماتها في المخيمات، وفقاً لما أوردته «هآرتس»، مخاوف من أن تكون جزءاً من مسعى أوسع لتقويض قضية اللاجئين الفلسطينيين، عبر استهداف المؤسسات التي تقدم لهم الخدمات وترتبط باستمرار الاعتراف بوضعهم وحقوقهم.