صوقار وأبو عابد وأبو زمع وهايل يحددون أولويات التطوير
لم يعد السؤال المطروح أمام كرة القدم الأردنية هو كيف يصل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم، بعدما تحقق هذا الحلم للمرة الأولى في تاريخ الكرة الأردنية، بل كيف يمكن تحويل الإنجاز إلى نقطة انطلاق لمشروع مستدام يضمن استمرار الحضور الدولي، ويؤسس لمنتخبات أكثر قدرة على المنافسة، ويجعل التأهل إلى البطولات الكبرى نتيجة طبيعية لتطور المنظومة، لا محطة استثنائية في مسيرتها.
كان التأهل إلى مونديال 2026 لحظة فارقة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، وأعادت رسم صورة المنتخب في محيطه الآسيوي والدولي، ورفعت سقف طموحات الجماهير التي وجدت في النشامى عنواناً للإنجاز الوطني، لكن قيمة اللحظات التاريخية لا تُقاس بما تحققه في وقتها فقط، وإنما بما تتركه من أثر في المستقبل.
من هنا تبدأ المرحلة الأصعب؛ الانتقال من الاحتفال بالتأهل إلى بناء ما بعده، ومراجعة منظومة كرة القدم بكل تفاصيلها، من اكتشاف المواهب وتطويرها، مروراً بواقع الأندية والمسابقات المحلية، وصولاً إلى الحوكمة والاستثمار والاستدامة المالية.
فهل تمتلك الكرة الأردنية مقومات تثبيت حضورها عالمياً؟ وماذا كشفت المشاركة المونديالية عن نقاط القوة والقصور؟ وأين يقع دور اتحاد اللعبة، وما الذي يمكن أن تقدمه مراكز الأمير علي للواعدين والواعدات في صناعة الأجيال المقبلة؟
إنها أسئلة لا تنتقص من قيمة الإنجاز، بل تمنحه معناه الحقيقي وللإجابة عليها استعانت «الرأي» بأهل الاختصاص في التقرير التالي:
دخل منتخب النشامى نهائيات كأس العالم 2026 لأول مرة، واضعاً الكرة الأردنية على واحدة من أكبر منصات المنافسة الرياضية في العالم، ولم يكن الوصول أمراً عابراً، بل حصيلة سنوات من العمل والتراكم الفني، ارتفعت خلالها ثقة اللاعبين بقدرتهم على مواجهة منتخبات تمتلك تاريخاً وإمكانات أكبر.
لكن مباريات النهائيات وضعت التجربة أمام اختبار مختلف؛ خسر النشامى أمام النمسا 1-3، في مباراة سجل خلالها علي علوان أول أهداف الأردن في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، ثم أمام الجزائر 1-2 بعدما تقدم بهدف نزار الرشدان، قبل أن ينهي مشاركته بالخسارة أمام الأرجنتين 1-3، مسجلاً موسى التعمري هدف الأردن في المباراة الأخيرة، وهكذا انتهت المشاركة بثلاث خسائر، مع نجاح المنتخب في التسجيل خلال مبارياته الثلاث.
وفي هذا الشأن قال المدرب الوطني عبدالله أبو زمع: لا يمكن اختزال التجربة في النتائج وحدها، كما لا يصح تجاهلها عند تقييم الأداء؛ فمواجهة منتخبات بمستوى الأرجنتين والنمسا والجزائر تختلف عن كثير من الاختبارات الإقليمية، من حيث سرعة اتخاذ القرار، وجودة التحولات، واستغلال المساحات، والتعامل مع الضغط والمحافظة على التركيز طوال المباراة.
وفي المقابل، طالب أبوزمع بعدم اتخاذ فارق الإمكانات ذريعة لإغلاق باب النقد، فالمشاركة في كأس العالم فرصة لاكتشاف الفجوات قبل أن تكون مناسبة للاحتفال بالوصول، والمنتخبات التي تتطور هي التي تحول أخطاءها إلى دروس عملية، لا تلك التي تكتفي بتبريرها بظروف المنافسة.
وأكد أبو زمع رغم ذلك أن النشامى أظهر قدرته على التسجيل أمام منافسين أقوياء، وامتلاك عناصر قادرة على صناعة الفارق، لكن المحافظة على الأداء تحت الضغط، وتقليل الأخطاء المؤثرة، وتحسين التعامل مع التحولات، وتوسيع الخيارات أمام الجهاز الفني، تبقى ملفات أساسية في المراجعة الفنية لما بعد المونديال.
وأخيراً، تمنى أن تتحول هذه الدروس إلى برنامج عمل واضح، لا أن تبقى ضمن ذاكرة البطولة.
لا توجد وصفة واحدة تضمن تطور كرة القدم في جميع الدول، لكن التجارب الناجحة تشترك غالباً في وجود رؤية واضحة، واستثمار مستمر في الفئات العمرية، ومسابقات تمنح اللاعبين فرص التطور، وبيئة إدارية ومالية تساعد الأندية على الاستمرار.
والمقارنة المفيدة للأردن لا تكون باختيار منتخب متقدم والدعوة إلى تقليده، بل بدراسة السياسات التي صنعت الفارق وتحديد ما يمكن تطبيقه محلياً وفق الإمكانات والظروف؛ فما يناسب دولة تمتلك سوقاً رياضية ضخمة وموارد مالية كبيرة قد لا يناسب الأردن بالآليات نفسها.
وهنا طالب المدرب الوطني جمال أبو عابد تحديد الأولويات التي تحقق أكبر أثر، سواء في تأهيل المدربين، أو زيادة فرص اللعب للفئات العمرية، أو تطوير الملاعب والمسابقات، أو بناء منظومة متكاملة تجمع هذه العناصر.
وأشار مدرب النشامى الأسبق إلى أن مراكز الأمير علي أن تشكل مدخلاً عملياً لهذا التوجه إذا ارتبطت ببرامج تطوير المدربين والأندية والمنتخبات العمرية، وخضعت لتقييم فني واضح، كما يمكن للاتحاد الاستفادة من بيانات المشاركات الدولية وتحليل أداء المنتخبات، لبناء قاعدة معرفية تساعد على اتخاذ القرارات بدلاً من الاعتماد على الانطباعات والحلول المؤقتة.
وتابع أبو عابد: بعد المشاركة المونديالية، دخلت الكرة الأردنية مرحلة جديدة مع تولي المغربي بادو الزاكي تدريب منتخب النشامى، فيما تتجه الأنظار إلى كأس آسيا 2027 والاستحقاقات التالية، وتتطلب المرحلة كما أشار إلى التوازن بين المحافظة على تنافسية المنتخب الأول والاستثمار في المستقبل عبر تطوير القاعدة الكروية، فلا يمكن التضحية بأحد الهدفين لمصلحة الآخر؛ إذ يحتاج المنتخب الأول إلى إعداد ومباريات تنافسية واختيارات فنية مدروسة، فيما تحتاج الفئات العمرية إلى استمرارية لا تتأثر بتغير الأجهزة الفنية أو نتائج المباريات».
وأضاف أبو عابد: كما ينبغي أن تكون الاستحقاقات المقبلة جزءاً من خطة متكاملة، لا سلسلة من المعسكرات والمباريات المنفصلة، بحيث تكون لكل فترة إعداد أهداف واضحة، ويجري تقييم مدى تحقيقها وترجمة الدروس إلى تعديلات فنية قابلة للقياس.
وكشف بهذا السياق الأولويات التي تتمثل بوضع خطة وطنية متعددة السنوات لتطوير اللاعبين والمدربين، بمؤشرات أداء واضحة، وضمان استمرارية مراكز الأمير علي وربط نتائجها بمسار نحو الأندية والمنتخبات، وتعزيز الاستدامة المالية للأندية وتطبيق معايير الحوكمة والشفافية، وتطوير مسابقات الفئات العمرية ومنح الشباب فرصاً فعلية مع الفرق الأولى.
وأنهى: يتطلب الأمر إعداد تقارير فنية دورية عن أداء المنتخبات، وتحديد نقاط القوة والقصور وتحويلها إلى برامج عمل، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمجتمعية لتوفير موارد وفرص إضافية، إلى جانب نشر المعلومات الأساسية عن برامج التطوير ونتائجها، بما يتيح للإعلام والجمهور متابعة التقدم وتقييمه على أسس واضحة.
أثبتت تجربة النشامى أن الكرة الأردنية قادرة على إنتاج لاعبين يصلون إلى مستويات تنافسية متقدمة، لكن الحفاظ على هذا المسار يحتاج إلى توسيع قاعدة الاختيار وتحسين جودة الإعداد.
أحمد هايل، الذي ظهر في العديد من المهام التدريبية على مستوى الأندية والمنتخبات، أكد أن الموهبة والإعداد البدني والرغبة وحدها لا تصنع لاعباً دولياً مكتمل القدرات؛ إذ يحتاج اللاعب إلى برامج تدريب متدرجة وإعداد بدني يتناسب مع متطلبات اللعبة الحديثة، ورعاية طبية متخصصة، وتحليل للأداء، وتطوير للمهارات الذهنية والتكتيكية، على أن يبدأ ذلك في الفئات العمرية لا عند اقترابه من المنتخب الأول.
ويشكل إعداد المدربين وفقاً لهايل عنصراً أساسياً في هذه المعادلة؛ فالمراكز والأكاديميات على حد تعبيره لن تحقق أهدافها إذا لم يعمل فيها مدربون مؤهلون يمتلكون المعرفة الفنية والقدرة على التعامل مع الفئات الصغيرة، بعيداً عن اختزال التدريب في النتائج السريعة.
وطالب ببناء مسار واضح للاعب يبدأ باكتشافه وتطويره، ثم منحه فرصة اللعب التنافسي وصولاً إلى المنتخبات العمرية والأول، كما ينبغي وضع معايير لجودة عمل الأكاديميات وتقييم نتائجها وربطها بمشروع وطني لاكتشاف المواهب، مع الاهتمام بمواهب المحافظات وعدم تركيز الفرص في المناطق الأكثر حظاً بالمنشآت والإمكانات.
وختم: كلما اتسعت قاعدة الاختيار وتحسنت جودة التدريب، ازدادت قدرة المنتخبات على بناء فرق تنافسية تمتلك بدائل متعددة في المراكز المختلفة.
أكد المدير الفني الوطني نهاد صوقار أن تطوير كرة القدم الأردنية يحتاج إلى خطة شاملة ترتكز على محاور واضحة، تبدأ من التعليم والتأهيل، مرورًا بالمسابقات والبنية التحتية، وصولًا إلى المنتخبات الوطنية والمنتخب الأول.
وقال صوقار: كرة القدم الأردنية تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وإمكانات بشرية كبيرة، لكننا بحاجة إلى تنظيم محكم وهيكلية واضحة تضمن استدامة التطوير، بعيدًا عن الحلول المؤقتة.
وأوضح أن الدائرة الفنية يجب أن تضم قسمًا متخصصًا لتعليم المدربين عبر دورات نوعية حسب الاحتياج، إلى جانب قسم الواعدين الذي يعتمد على مراكز الأمير علي للواعدين والبطولات المدرسية الدنيا، لتشكيل قاعدة صلبة من المواهب.
وشدد صوقار على ضرورة أن تكون دائرة المنتخب الوطني الأول مستقلة بمرجعية مباشرة للرئيس أو نائب الرئيس، بما يضمن استقلالية القرار الفني والإداري، ويعزز ثقة الجماهير بالمنتخب.
وأشار إلى أن المنتخبات الأولمبية والشباب والناشئين والأشبال يجب أن تُدار بكوادر أردنية بالكامل، لضمان بناء هوية كروية وطنية، مع الاستعانة بالخبرات الأجنبية فقط في المنتخب الأول عند الحاجة.
وأضاف: الأردن بمساحته وعدد سكانه يستحق دوري محترفين من 14 فريقًا على الأقل، مع تعديل جوهري على المرحلة الثالثة المعتمدة حاليً في دوري المحترفين وذلك لضمان عدالة المنافسة.
كما طالب بإعادة هيكلة دوري الدرجة الأولى والثانية والثالثة، وإلغاء نظام خروج المغلوب لصالح نظام المجموعات الذي يمنح اللاعبين فرصًا أكبر للاحتكاك والتطور.
وأكد أن إعادة تأهيل الملاعب المدرسية والحكومية وملاعب الأندية يمثل ركيزة أساسية، مشددًا على أن هذه المنظومة يجب أن تشمل كرة القدم النسوية أيضًا.
وتابع صوقار حديثه بالدعوة إلى إنشاء مجلس مدراء يضم اتحاد كرة القدم ووزارات الشباب والصحة والأمن العام والدفاع المدني، إلى جانب البنوك والشركات الكبرى ومجالس المحافظات، لضمان أن يكون التطوير مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
وسط النقاش حول مستقبل الكرة الأردنية، تبرز إعادة إطلاق مراكز الأمير علي للواعدين والواعدات بوصفها إحدى الخطوات التي يمكن أن تؤسس لمشروع تطوير طويل الأمد.
ووفق المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي لاتحاد الكرة، يتوزع المشروع على 65 مركزاً تدريبياً للذكور والإناث في مختلف محافظات المملكة، ويستهدف مواليد عامي 2015 و2016.
وأكد الخبير وأبرز مؤسسي هذه المراكز صوقار أن أهمية هذه الخطوة تتجاوز عدد المراكز أو اللاعبين المستهدفين، لأنها تعيد الاهتمام إلى القاعدة التي يُفترض أن تقوم عليها المنظومة.
وأضاف: يرتبط النجاح بجودة التدريب، وكفاءة المدربين، وانتظام البرامج، وتوافر الملاعب والمعدات، والقدرة على متابعة تطور اللاعب سنوات طويلة، كما يتطلب معايير واضحة لاختيار المواهب، وضمان ألا ترتبط فرص الانضمام بمكان السكن أو القدرة المالية للأسرة أو القرب من مراكز القرار الكروي.
وإذا كان الهدف توسيع قاعدة المشاركة، فإن العدالة الجغرافية وتكافؤ الفرص بحسب صوقار ينبغي أن يكونا من أهم معايير التقييم، كما يمثل إدراج الواعدات فرصة لتعزيز كرة القدم النسوية، شريطة توفير بيئة تدريبية مناسبة وكوادر مؤهلة ومسارات واضحة للانتقال إلى المنافسة المنظمة.
وطالب صوقار بضرورة أن يقترن أي عمل بآلية تقييم ورقابة صارمة وميدانية في الملاعب وألا يقتصر الأمر على التقارير المكتبية، إلى جانب أهمية ربط المراكز بقاعدة بيانات وطنية للمواهب، وبرامج متابعة دورية، وتنسيق فعلي مع الأندية والمنتخبات العمرية.
لا يمكن بناء منتخب قادر على الاستمرار في المنافسة العالمية من خلال المنتخب الأول وحده، فالأداء الدولي هو محصلة عمل يبدأ في سن مبكرة، ويمر بالأندية والمدربين والمسابقات والبرامج الفنية والطبية.
وتقع على عاتق اتحاد كرة القدم مسؤولية وضع رؤية طويلة الأمد تربط المنتخبات الوطنية بمشروع متكامل لتطوير اللاعب الأردني، لكن المسؤولية لا تقع عليه وحده؛ فالأندية تشكل البيئة الأساسية التي يحصل فيها اللاعب الشاب على دقائق اللعب والخبرة التنافسية.
ويفرض واقع الأندية أسئلة بشأن الاستدامة المالية والبنية التحتية والرعاية والاستثمار والقدرة على الاحتفاظ بالمواهب، وتحقيق التوازن بين متطلبات المنافسة واحتياجات التطوير.
وقد تناولت وزارة الشباب واتحاد الكرة ملف الحاكمية والتمكين المالي لأندية المحترفين في ورشة عمل خلال أيلول الماضي، مع الحديث عن تحديث نظام ترخيص الأندية واستحداث تعليمات مالية ومحاسبية لتصبح متطلباً أساسياً لأندية المحترفين.
وتمثل هذه الخطوة بداية مهمة، لكن أثرها يتوقف على التنفيذ والرقابة والشفافية في الالتزامات، ووجود خطط واقعية لإدارة الموارد ومحاسبة واضحة عند الإخلال بالمتطلبات.
ولا ينبغي أن يقتصر تطوير الأندية على ضبط النفقات؛ بل يجب مساعدتها على تنمية مواردها، وتطوير فرقها العمرية، والاستثمار في التدريب، وتوسيع قاعدة جماهيرها وبناء شراكات تجارية مستدامة.
كما تبرز أهمية مراجعة نظام المسابقات المحلية ومدى قدرته على منح المواهب الشابة فرصاً فعلية، إذ لا يكفي وجود لاعب موهوب في فريق للفئات العمرية ما لم تتوافر له بيئة تسمح بالتدرج والوصول إلى الفريق الأول. وهنا تبرز ضرورة التنسيق بين الاتحاد والأندية، ووضع أهداف قابلة للقياس لتطوير اللاعبين بدلاً من العمل بمعزل عن بعضهما.
منح تأهل منتخب النشامى إلى المونديال الكرة الأردنية فرصة نادرة لتوسيع حضورها العالمي، وتعزيز ثقة اللاعبين والجماهير، وفتح نقاش جاد حول مستقبل اللعبة، لكن الفرص لا تتحول تلقائياً إلى إنجازات مستدامة؛ فهي تحتاج إلى قرارات واستثمارات وخطط ومتابعة، واستعداد للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
إن إعادة إطلاق مراكز الأمير علي خطوة تستحق الدعم، لكن نجاحها مرهون بقدرتها على إنتاج لاعبين ولاعبات، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتحقيق العدالة في الوصول إلى الفرص، كما ينبغي أن تقترن جهود الاتحاد في تطوير البنية التحتية والحوكمة بنتائج قابلة للقياس على مستوى الأندية والمنتخبات.
وفي المقابل، تتحمل الأندية مسؤولية الاستثمار في المواهب، والمدربون مسؤولية تطوير اللاعبين، والإعلام مسؤولية تقديم النقد المهني بعيداً عن المبالغة في المديح أو القسوة غير المبررة.
لقد أثبت النشامى أن الوصول إلى كأس العالم ممكن، أما التحدي الحقيقي فهو أن تصبح المشاركة في البطولات الكبرى نتيجة لعمل مؤسسي متواصل، وأن تتحول تجربة 2026 إلى بداية مسار جديد، لا ذكرى جميلة نعود إليها كلما أردنا الاحتفاء بما تحقق.
فالسؤال الذي ينبغي أن يرافق الكرة الأردنية اليوم ليس: هل نستطيع الوصول إلى كأس العالم مرة أخرى؟ بل: ماذا سنفعل حتى نكون أكثر جاهزية عندما نصل؟
من الإنصاف النظر إلى المشاركة الأردنية باعتبارها تجربة تأسيسية، لا حكماً نهائياً على مستوى الكرة المحلية؛ فالأردن خاض تجربة جديدة في أعلى مستويات المنافسة، لكن التجربة الأولى لا ينبغي أن تتحول إلى سقف للطموح.
المطلوب ليس تكرار التأهل فحسب، بل تقليص الفجوة الفنية مع المنتخبات المتقدمة، ورفع جودة اللاعب الأردني، وزيادة عدد الخيارات الجاهزة للمنافسة الدولية، بحيث لا ترتبط قدرة المنتخب على تقديم الأداء الجيد بعدد محدود من اللاعبين.
ويستدعي ذلك مراجعة المشاركة بصورة تفصيلية: طبيعة الأخطاء المتكررة، وكيفية استقبال الأهداف، ومستوى الفاعلية الهجومية، والتعامل مع التقدم أو التأخر في النتيجة، والفارق بين الأساسيين والبدلاء. كما أن نشر خلاصات فنية مدروسة، بالقدر الذي تسمح به الاعتبارات المهنية، يعزز ثقافة التقييم والمساءلة ويمنح الجماهير صورة أوضح عن التحديات المقبلة.
فليس المطلوب محاكمة تجربة تاريخية، بل الاستفادة منها قبل تكرار الظروف نفسها في استحقاق قادم.