وتتجلى أهمية هذا الحضور في الزيارات والتحركات الدولية لجلالة الملك وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وما تتيحه من فرص لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية، والتعريف بالأردن دولة مستقرة تمتلك مقومات استثمارية وسياحية واعدة. غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: كيف نحول هذا الرصيد الدبلوماسي إلى إنجازات اقتصادية وسياحية وثقافية تنعكس مباشرة على الداخل الأردني؟
إن الدبلوماسية السياسية، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية لتحقيق المصالح الوطنية في عالم أصبحت فيه الاستثمارات والسياحة والتبادل الثقافي أدوات مؤثرة في العلاقات الدولية. بل إن البعد الاقتصادي والسياحي والثقافي قد يوازي البعد السياسي، وربما يتجاوزه في أثره المباشر على حياة المواطن وفرص العمل والتنمية.
ومن هنا، أرى ضرورة تطوير مفهوم التمثيل الأردني في الخارج، من خلال وجود مستشار اقتصادي ومسؤول مختص بالشؤون السياحية ومستشار ثقافي في السفارات الأردنية، وفقاً لطبيعة كل دولة وأهمية أسواقها، وبالتنسيق بين وزارات الخارجية والاستثمار والسياحة والآثار والثقافة والجهات الاقتصادية المعنية.
فالمستشار الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر دوره على التعريف بالفرص الاستثمارية، بل يتعداه إلى التواصل مع رجال الأعمال والشركات الكبرى، واستقطاب رؤوس الأموال، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية، ومتابعة المشروعات حتى انتقالها من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي.
أما المسؤول السياحي، فتقع عليه مسؤولية الترويج للأردن بما يمتلكه من إرث حضاري وتاريخي وديني وطبيعي، وبناء شراكات مع شركات السياحة والطيران والمؤسسات الدولية، بما يسهم في زيادة أعداد الزوار وتنشيط الاقتصاد المحلي.
ولا يقل المستشار الثقافي أهمية عن هذين الدورين، فالثقافة تمثل قوة ناعمة للدولة، ووسيلة لتعزيز صورتها الدولية، والتعريف بهويتها وتاريخها وإبداع أبنائها، وفتح آفاق التعاون مع الجامعات والمؤسسات الثقافية والأكاديمية في الدول المضيفة.
وهنا تبرز أهمية الشراكة الحقيقية مع الجاليات الأردنية في الخارج، التي تضم رجال أعمال وأكاديميين وخبراء وكفاءات تمتلك علاقات واسعة في مجتمعاتها. فهذه الجاليات ليست مجرد تجمعات اجتماعية تُستدعى في المناسبات الوطنية، بل طاقات بشرية واقتصادية وثقافية ينبغي إشراكها بصورة مؤسسية في خدمة المصالح الوطنية.
كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب تشكيل فرق متخصصة لمتابعة نتائج الزيارات الملكية في كل محطة، تتولى حصر الفرص المطروحة والتواصل مع الجهات المعنية ووضع جداول زمنية للتنفيذ، بحيث لا تنتهي الجهود بانتهاء الزيارة أو توقيع الاتفاقيات. وهنا تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات التنفيذية مسؤولية تحويل ما تفتحه الدبلوماسية الملكية من أبواب إلى مشروعات واستثمارات وفرص عمل حقيقية.
ولكي لا تتحول هذه المقترحات إلى مجرد مسميات وظيفية وأعباء مالية إضافية، ينبغي اعتماد معايير واضحة لاختيار الكفاءات وتحديد الأولويات، وربط أداء هذه المواقع بمؤشرات قابلة للقياس، مع الاستفادة من الكوادر القائمة وتوجيه الموارد نحو الأسواق الأكثر أهمية للأردن.
إن مسؤولية تطوير هذا المسار تقع على عاتق الوزارات والمؤسسات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، بالتعاون مع الوزارات الاقتصادية والسياحية والثقافية. فالتحدي لم يعد في بناء العلاقات الدولية وحدها، وإنما في القدرة على استثمارها بصورة منظمة ومستدامة.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاكتفاء بقوة الحضور السياسي إلى تعظيم العائد الوطني لهذا الحضور. فالدبلوماسية الأردنية التي نجحت في فتح أبواب العواصم ومراكز القرار الدولي، ينبغي أن يواكبها عمل اقتصادي وسياحي وثقافي لا يقل عنها حضوراً وتأثيراً.
فالأردن لا يحتاج إلى سفارات تمثله سياسياً فحسب، بل إلى بعثات متكاملة تفتح أبواب الاستثمار، وتستقطب السياح، وتنشر الثقافة الأردنية، وتبني جسور التعاون مع الجاليات والمؤسسات الدولية. وعندما تتحول قوة العلاقات السياسية إلى مشروعات وفرص عمل وتنمية مستدامة، يصبح الحضور الأردني في الخارج إنجازاً وطنياً يلمس المواطن ثماره في الداخل.