قد تتحول شرفة المنزل فجأة من مساحة للاسترخاء والعناية بالنباتات إلى مشهد يثير القلق، مع ظهور مئات النحل متجمعة في كتلة واحدة تحت كرسي أو عند حافة نافذة. وبين الخوف من اللسع والأمل في عودة المكان إلى طبيعته، يبرز سؤال مهم: هل جاء هذا السرب في زيارة عابرة، أم أنه يستعد لبناء مستعمرة جديدة؟
في الواقع، لا يعني ظهور أعداد كبيرة من النحل دفعة واحدة أنه تكاثر داخل الشرفة، فقد يكون سربا غادر خليته الأصلية بحثا عن موقع جديد للاستقرار. وفي هذه الحالة، قد تكون الشرفة مجرد محطة مؤقتة في رحلة البحث عن مأوى، أو مكانا يجذبه إذا وجد فيه تجويفا مناسبا يحميه من العوامل الخارجية.
لماذا يتجمع النحل في الشرفات؟
توضح جامعة جورجيا الأمريكية أن هذه الظاهرة ترتبط بعملية تُعرف باسم «التطريد»، وهي إحدى طرق تكاثر مستعمرات نحل العسل. فعندما تزداد أعداد النحل داخل الخلية، تستعد المستعمرة لإنتاج ملكة جديدة، ثم تغادر الملكة القديمة برفقة أعداد كبيرة من الشغالات لتأسيس مستعمرة أخرى.
وخلال رحلة البحث عن مسكن جديد، يتوقف السرب في مكان مناسب، ويتجمع حول الملكة على هيئة كتلة متراصة، قد تستقر على غصن شجرة أو قطعة أثاث أو حافة أحد المباني. وفي الوقت نفسه، تنطلق مجموعات من النحل الكشّاف لاستطلاع المواقع المحتملة قبل انتقال السرب إلى مأواه الجديد.
وبحسب جامعة فلوريدا، تتأثر عملية التطريد بعوامل عدة، أبرزها ازدحام الخلية، وضيق المساحة المتاحة لوضع البيض، وتوافر الرحيق وحبوب اللقاح، إلى جانب طول ساعات النهار وعمر الملكة. وتشيع هذه الظاهرة لدى بعض سلالات نحل العسل خلال الربيع، مع اختلاف توقيتها تبعا للظروف المحلية.
كيف تعرف أن النحل عابر أم مستقر؟
لا يعني وجود سرب على الشرفة بالضرورة أنه سيبقى فيها. فإذا كان النحل متجمعا في كتلة مكشوفة، فقد يكون في مرحلة انتظار مؤقتة قبل اختيار موقع جديد.
لكن استمرار حركة النحل دخولا وخروجا من فتحة واحدة في الجدار أو قرب الأنابيب قد يشير إلى أن المستعمرة بدأت تستقر داخل تجويف محمي. كما أن ظهور أقراص شمعية أو ملاحظة نشاط متواصل في الموقع يستدعيان تقييما من متخصص لتحديد طبيعة التجمع والإجراء المناسب للتعامل معه.
وتشير وزارة الزراعة في ولاية تينيسي إلى أن أسراب النحل تغادر مواقع تجمعها عادة خلال 24 إلى 48 ساعة، بينما توضح جامعة فلوريدا أن العثور على تجويف مناسب قد يستغرق من دقائق إلى أربعة أيام. ومع ذلك، تظل هذه مددًا تقريبية، ولا تضمن رحيل السرب في وقت محدد.
هل يجب الانتظار حتى يرحل السرب؟
قد يكون الانتظار خيارا مناسبا إذا كان النحل في مكان بعيد عن حركة السكان، ويمكن تجنبه دون تعريض أحد للخطر. وتوصي جامعة جورجيا بترك السرب دون إزعاج عندما يكون موقعه آمنا، مع إبعاد الأطفال والحيوانات الأليفة عنه.
وعلى الرغم من أن السرب المتكتل يكون عادة أقل ميلا إلى الدفاع عن نفسه مقارنة بالنحل داخل الخلية، فإن ذلك لا يعني انعدام خطر اللسع. لذا، ينبغي تجنب الاقتراب منه أو لمسه أو محاولة نقله بصورة فردية.
أما إذا كان التجمع بالقرب من مدخل المنزل أو النوافذ أو الأماكن التي يكثر استخدامها، فمن الأفضل التواصل مع مربّي نحل مختص لجمع السرب ونقله إلى موقع مناسب.
لماذا لا يُنصح بالخل أو المبيدات؟
قد يلجأ البعض إلى وصفات منزلية، مثل الخل أو الدخان أو رش الماء والمبيدات، أملا في التخلص من النحل بسرعة. لكن هذه الوسائل ليست بديلا موثوقا عن الإزالة المتخصصة، وقد تؤدي إلى تشتيت السرب أو تعقيد المشكلة.
وتحذر جامعة ميريلاند من أن قتل النحل داخل الجدران بالمبيدات، دون إزالة المستعمرة وأقراص الشمع والعسل، قد يترك وراءه بقايا تتسبب في ظهور الروائح واجتذاب الحشرات والقوارض.
وتزداد أهمية الاستعانة بمتخصص عندما تكون المستعمرة داخل الجدران أو أجزاء المبنى؛ فهذه الحالات تتطلب خبرة في إزالة النحل والأقراص الشمعية، وتنظيف التجويف، ثم إصلاحه وإغلاق مداخله لمنع عودة النحل أو استقرار سرب آخر.
خطوات بسيطة لتقليل فرص استقرار النحل
رغم أن مرور أسراب النحل لا يمكن منعه تماما، فإن تقليل الأماكن المناسبة للتعشيش قد يحد من فرص استقرارها في المنزل. وتنصح جامعة فلوريدا باتباع عدد من الإجراءات الوقائية، أبرزها:
سد الشقوق والفتحات: فحص محيط النوافذ ومداخل الأنابيب وإغلاق الفجوات التي تقود إلى فراغات داخل الجدران.
تأمين فتحات التهوية: تركيب شبك مناسب يمنع دخول النحل، مع الحفاظ على التهوية اللازمة.
التخلص من الأغراض المهملة: إزالة الصناديق والأوعية والمعدات غير المستخدمة التي قد توفر تجاويف محمية.
مراقبة حركة النحل: الانتباه إلى تكرار دخوله وخروجه من فتحة محددة، وطلب تقييم متخصص عند ملاحظة نشاط مستمر.
ومن المهم عدم إغلاق أي فتحة يستخدمها النحل قبل التأكد من خلو المكان منه أو إتمام إزالة المستعمرة، حتى لا يُحتجز داخل المبنى.
في النهاية، قد يكون تجمع النحل على الشرفة مجرد توقف قصير في رحلة البحث عن منزل جديد، وقد يكون بداية لاستقرار مستعمرة في مكان محمي. وبين الاحتمالين، يبقى التصرف الأكثر أمانا هو مراقبة الوضع من مسافة مناسبة، وتجنب إزعاج السرب، والاستعانة بمتخصص عند الحاجة، بما يحمي السكان ويحافظ على النحل في الوقت نفسه.