يضيء كتاب «الشعر المنثور والنثر الشعري» للباحث سرّاح محمود السرارحة، الصادر حديثًا عن دار «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن عام 2026، جانبًا من التحولات التي شهدها الشعر العربي الحديث، متخذًا من تجربتي جبران خليل جبران وأمين الريحاني مدخلًا لقراءة إرهاصات التجديد، وإشكالية الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر، والملامح الفنية والفكرية التي أسهمت في تشكّل أنماط جديدة من الكتابة الشعرية.
ولا يكتفي الكتاب باستعادة تجربة أدبية ارتبطت بمرحلة النهضة، بل يتجه إلى مساءلة مفهوم الشعر ذاته، والبحث في العناصر التي تمنح النص شعريته، بعيدًا عن الاقتصار على القوالب التقليدية أو الانحياز المسبق إلى شكل دون آخر. ومن هنا تنبع أهمية الدراسة التي تقارب الشعر المنثور والنثر الشعري من منظور نقدي يسعى إلى استكشاف خصائصهما وتقاطعاتهما، ورصد إسهاماتهما في تحديث القصيدة العربية.
وفي تقديمه للكتاب، يرى الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عزّام مراشدة، عميد كلية الآداب واللغات في جامعة جدارا، أن الباحث اختار مسارًا نقديًا مختلفًا، فلم ينحز إلى القصيدة الكلاسيكية، ولم يقف عند حدود ما يُعرف بقصيدة النثر، وإنما سعى إلى الإجابة عن سؤال جوهري: «ما الذي يجعل من الكلام شعرًا؟».
ويشير مراشدة إلى أن هذا السؤال يفتح آفاقًا للتفكير في بنية النص الأدبي ومكوناته، وفي العلاقة بين اللغة واختياراتها والأساليب التي تتشكل من خلالها هوية النص وجنسه الأدبي. كما يستحضر أسئلة نقدية سابقة، من بينها سؤال جان بول سارتر في كتابه «ما الأدب؟»، وتساؤل أنسي الحاج في مقدمة مجموعته الشعرية «لن": «هل يخرج من النثر قصيدة؟»، بما يضع الدراسة ضمن سياق أوسع من التفكير في طبيعة الأدبية والشعرية وحدود الأجناس.
ويعيد الكتاب قراءة تجربة جبران والريحاني في ضوء الظروف الثقافية والفكرية التي أحاطت بنشأة الشعر المنثور والنثر الشعري، وما أتاحته حركة الهجرة والاحتكاك بالثقافات الأخرى من فرص للتجريب وتجاوز الأنماط الموروثة. فقد حمل أدباء المهجر معهم أسئلة النهضة وهموم الإنسان والوطن والغربة، وأسهمت تجاربهم في فتح مسارات جديدة أمام الكتابة العربية، رغم ما واجهته محاولات التجديد من اعتراضات نقدية.
وتتوزع الدراسة على تمهيد وأربعة فصول. ويتناول التمهيد نبذة عن جبران خليل جبران وأمين الريحاني، فيما يبحث الفصل الأول في مفهومي الشعر المنثور والنثر الشعري ونشأتيهما، والدلالات اللغوية والاصطلاحية المرتبطة بهما، وإشكالية تصنيفهما، إلى جانب الإرهاصات الأولى وأبرز الأعلام.
ويرصد الفصل الثاني المؤثرات التكوينية للشعر المنثور والنثر الشعري، من خلال دراسة المؤثرات العربية والغربية، وأثر جماعة «شعر» في تطور هذين الشكلين. أما الفصل الثالث، فيتناول التجليات الفكرية في نتاج جبران والريحاني، من خلال أربعة اتجاهات رئيسية هي: القومي، والتأملي، والإنساني، والفلسفي.
ويخصص الفصل الرابع للقضايا الفنية، متوقفًا عند بنية اللغة الشعرية، وشعرية الصورة الفنية، والظواهر الأسلوبية، والتشكيل الطباعي في الشعر المنثور والنثر الشعري، بما يتيح قراءة الخصائص التي أسهمت في تمييز هذه الكتابة وتشكيل ملامحها الجمالية.
وتخلص الدراسة إلى أن الدعوات المبكرة إلى تجديد الشعر العربي لم تكن معزولة عن تحولات البيئة الثقافية والاجتماعية، ولا عن حركة التفاعل مع الحضارات الأخرى. كما تبرز دور الشعراء المهاجرين، وفي مقدمتهم جبران والريحاني، في بلورة تصورات جديدة للكتابة الشعرية، وتؤكد أن تجاربهما مثلت إحدى المحطات المهمة في مسار تحديث الشعر العربي وظهور أنماط تعبيرية تجاوزت الأشكال السائدة في عصر النهضة.
ويقدم الكتاب، في محصلته، قراءة نقدية لتجربتين أسهمتا في توسيع أفق الشعر العربي الحديث، ويعيد طرح سؤال الشعرية بوصفه سؤالًا مفتوحًا على التجريب والتحول، وعلى العلاقة المتجددة بين اللغة والشكل والرؤية الفكرية.