دخان المعارك وضجيج الصواريخ وجهود التهدئة والتصعيد على امتداد جبهات الشرق الأوسط، من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، ومن طهران إلى جنوب لبنان، لا تحجب الحقيقة المركزية، فكل ما يحدث تداعيات على هامش القضية.
وفي خطابات الزعماء أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة، لم يكن الموضوع المركزي مجريات الحرب والمفاوضات مع إيران، بل فلسطين وغزة والاحتلال، والأغلبية الساحقة من الوفود غادرت القاعة حالما صعد مجرم الحرب نتنياهو إلى المنصة. وأمام الحشود في الساحات وكل المناسبات، عاد شعار وحيد من كلمتين يُطلق ليختصر الموقف واضحًا وحاسمًا: «Free Palestine، فلسطين حرة»، يهتف به الجمهور في الميادين، كما يهتف به زعماء دول ومؤسسات ومفكرون ومشاهير فن ورياضة. الموقف من الاحتلال الإسرائيلي أصبح قضية ضمير عام، ويختصر الفرز بين الحق والعدل والإنسانية، وبين الباطل والظلم والنفاق.
منذ سقوط نظام الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، لم يعد هناك قضية معلقة تمس ضمير الإنسانية وتستوجب موقفًا كقضية فلسطين. ولو تأملنا قليلًا، فإن الحروب العربية الإسرائيلية لم تفعل شيئًا سوى خلط الأوراق والتمويه على الحقيقة. دول التخلف والاستبداد تريد القضاء على واحة الديمقراطية الفريدة في الشرق الأوسط. والحقيقة أن إسرائيل لم تكن مهددة في أي يوم. بالعكس، كانت تتوق لكل حرب جديدة، وفي ظهرها الغرب بكل تفوقه الاقتصادي والعسكري، لتستعرض انتصارات مبهرة تغطي على جريمتها الأصلية والمستمرة بسرقة وطن شعب آخر، بل وتحقيق احتلالات جديدة خارج فلسطين، تُنحّي قضية الاحتلال وقضم أراضٍ جديدة من الفلسطينيين والإمعان في قمعهم وتشريدهم.
والحال أن المعادلة نفسها وخلط الأوراق نفسه كان مقررًا بعد 7 أكتوبر مع حماس وإيران ومحور المقاومة وشعار وحدة الساحات. فتم استثمار الحرب وشعار «حق الدفاع عن النفس» إلى مديات غير مسبوقة، حيث رأى اليمين المتطرف العنصري والفاشي فرصة لا تتكرر لتنفيذ المشروع النهائي للاقتلاع والإبادة، فاستمرت الحرب التدميرية الوحشية على غزة حتى بعد إنزال ضربات قاصمة بحزب الله وإيران ونفاد قدرات حماس العسكرية على تواضعها. استمرت ثلاث سنوات لتدمير 90% من كل شيء قائم فوق الأرض في غزة، وارتكاب مجازر لا تُحصى، وتحويل شعب كامل إلى مهجّرين في وطنهم، إلى جانب تعاظم الاستيلاء على الأرض والتنكيل بأهل الضفة. وإذ سكتت صواريخ إيران وحزب الله، عادت إسرائيل لتجر ترامب إلى حرب مع إيران لا جدوى منها ولا مخرج. لكن تحولًا جوهريًا في العالم قد حصل، لا تغطي عليه ولا تصرف الانتباه عنه أي أزمة أو حرب جديدة.
وبالمناسبة، فإن كلمة جلالة الملك أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة بدأت بالضبط من هذا المدخل الدقيق. استعارت بذكاء من مشكلة العصر وتشتيت الانتباه الذي تمارسه علينا تكنولوجيا التواصل اليوم، للتحذير من تشتيت الانتباه عن القضية المركزية، وهي وجود احتلال يرتكب جرائم إبادة جماعية ضد شعب أعزل.
اليوم، لم يعد خلط الأوراق وصرف الانتباه ممكنًا. لذلك يظهر شعار «فلسطين حرة» بقوة على لسان كل حر في العالم. ونتأكد من ذلك عندما نرى (كمثال فقط) نجم الغناء الأمريكي ماكليمور يصعد على منصة حفل غنائي في ستاد محتشد، يلف عنقه بالكوفية، ويشهر قبضته، ويهتف: فلسطين حرة. والقصة خلف هذا الظهور تقول كل شيء عن التحول الذي نشهده اليوم. فالرجل، مثل كثيرين، تأثر بما حدث في غزة، فقرر التعبير عن ضميره، وقدم في حفل سابق أغنية عن الطفلة الفلسطينية هند رجب، وهتف لحرية فلسطين. فجاءه تحذير ألّا يفعلها مرة أخرى. وحين رفض، تقرر استبعاده كمغنٍ افتتاحي من فريق الفنان الأشهر إد شيران. فراهن على الجمهور والرأي العام، وأعلن عن جولة فنية خاصة به في عدة عواصم، وإمعانًا في التحدي، أطلق على جولته اسم «فلسطين حرة»، والتبرع بريعها لغزة. تضامن معه بقية الفريق وغادروا إد شيران وانضموا له، وبعد أسبوع فقط من الإعلان نفدت تذاكر جميع الحفلات، وكان ذلك نصرًا حطّم تحطيمًا لوبيات الضغط الصهيوني وأصحاب المليارات، وفي مقدمتهم الملياردير روبرت كرافت، صاحب الملعب الذي طلب استبعاد ماكليمور.
لم يعد لدى إسرائيل حروب تشنها على أحد، باستثناء متابعة حربها القذرة المفتوحة والمفضوحة على الشعب داخل فلسطين، في غزة والضفة وأراضي الـ48. لكن لا أحد في الغرب يريد دعم احتلال بشع وإبادة جماعية على حساب دافع الضرائب. تحول هذا إلى فضيحة مدوية، وقد سمعنا قبل أيام وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند يعمل مراجعة ويقدم اعتذارًا صريحًا عن سياسة بلده، ويخاطب الجمهور الذي خرج في مظاهرات حاشدة ضد هذه السياسة قائلًا: «لقد كنتم على حق».
الآن توجد استراتيجية واضحة مواتية مشتركة منتجة للدول العربية يمكن الالتزام بها. لا شيء أكثر من مواكبة واستثمار التحول القائم عالميًا: إدانة دولة الاحتلال ونبذ قادتها كمجرمي حرب وتشديد حملة المقاطعة وفرض العقوبات، لكن ليس معقولًا أن نطلب من العالم ذلك ونحن لا نفعل!