مشاركة سمو ولي العهد، مندوباً عن جلالة الملك عبدالله الثاني، في القمة المنعقدة في كرواتيا للعام الثالث، تعكس مستوى العلاقات التي بناها الأردن مع دول المجموعة، كما تعكس إدراكاً متزايداً لدور المملكة في القضايا التي تمس أمن المتوسط والشرق الأوسط معاً. فالأردن، بحكم موقعه وعلاقاته وخبرته السياسية، لم يعد مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها، بل شريكاً في النقاش حول مستقبل المنطقة.
ولعل أهمية كلمة سمو ولي العهد أنها لم تتعامل مع أمن المنطقة باعتباره ملفاً عسكرياً منفصلاً. فتهدئة التوتر، وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، وحماية سلاسل التوريد، وأمن الطاقة، كلها أصبحت أجزاء من معادلة واحدة. الحرب قد تبدأ في مكان، لكن آثارها لا تتوقف عند حدوده؛ تصل إلى الأسواق، وترفع الأسعار، وتضغط على موارد الطاقة، وتربك التجارة، وتضعف فرص النمو.
والأردن يعرف هذه الحقيقة جيداً. فالمملكة، رغم أنها ليست طرفاً في الصراعات التي تعصف بالمنطقة، تتحمل جزءاً من تداعياتها الأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن الدعوة الأردنية إلى خفض التصعيد ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمات ليست موقفاً دبلوماسياً مجرداً، وإنما تنطلق من تجربة دولة تدفع فعلياً ثمن عدم الاستقرار في محيطها.
لكن لا يمكن الحديث عن استقرار إقليمي حقيقي من دون وضع القضية الفلسطينية في مركز المشهد. وهذه النقطة تحديداً تعكس ثبات الرؤية الأردنية التي طالما أكدت أن تجاهل القضية أو التعامل معها كملف ثانوي لن يؤدي إلى سلام مستدام.
فالمشهد في غزة، وما يرافقه من معاناة إنسانية وصعوبات في وصول المساعدات، بما فيها المساعدات القادمة من الأردن، إلى جانب التصعيد في الضفة الغربية والقدس واعتداءات المستوطنين، كلها مؤشرات على أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي.
ولهذا جاء تأكيد سمو ولي العهد على رفض محاولات تهجير الفلسطينيين، باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي، وعلى أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم. وهي رسالة تتجاوز الموقف الأردني إلى تذكير المجتمع الدولي بأن السلام لا يمكن أن يُبنى على تجاوز حقوق شعب كامل أو إدارة الصراع إلى ما لا نهاية.
وفي موازاة الملفات السياسية والأمنية، حملت كلمة سمو ولي العهد بعداً آخر لا يقل أهمية: المستقبل الاقتصادي. فالأردن لا ينظر إلى علاقته مع أوروبا من زاوية المساعدات أو الدعم فقط، بل من زاوية الشراكة والاستثمار والمصالح المتبادلة.
وهنا تحديداً تظهر فرصة تحويل الموقع الاستراتيجي للأردن إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فالطاقة المتجددة، والربط الكهربائي، والسكك الحديدية، والربط الرقمي، والبنية التحتية، والممرات اللوجستية، كلها مجالات يمكن أن تجعل الأردن حلقة وصل أكثر أهمية بين أوروبا والشرق الأوسط.
والأهم أن هذه المشاريع لا تعني فقط أرقاماً واستثمارات. إنها تعني فرص عمل، ونقلاً للمعرفة والتكنولوجيا، وتعزيزاً للتعليم والمهارات، وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد الأردني. كما أنها تخلق مصالح مشتركة تجعل الاستقرار هدفاً اقتصادياً بقدر ما هو هدف سياسي وأمني.
ومن هنا تكتسب الإشارة إلى مؤتمر الاستثمار الأردني-الأوروبي الذي ستستضيفه المملكة في تشرين الثاني المقبل أهمية خاصة. فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكتفي بالحديث عن الموقع الاستراتيجي للأردن، بل أن تنتقل إلى استثمار هذا الموقع فعلياً، وتحويل الفرص إلى مشاريع، والأفكار إلى شراكات، والشراكات إلى نتائج يشعر بها المواطن والاقتصاد.
في النهاية، ما يميز الحضور الأردني في "ميد 9" هو أنه يجمع بين واقعية دولة تعرف مخاطر الإقليم، وطموح دولة تريد أن تكون جزءاً من صناعة مستقبله. فالأردن لا يملك ترف الانعزال عن محيطه، لكنه يملك شيئاً أكثر أهمية: القدرة على بناء الجسور حين تتسع الفجوات.
ومن هنا، فإن قوة الأردن لا تكمن في موقعه وحده، بل في قدرته على تحويل موقعه إلى شراكة، واستقراره إلى فرصة، وصوته السياسي إلى تأثير.