لكن معرفتنا بأهمية القراءة لا تعني بالضرورة أنهاستصبح جزءاً من الحياة اليومية للأسرة، فمن زاوية سلوكية، يمكن فهم جانب من هذه الفجوة بالنظر إلى الوالدين والطفل معاً، فقد يرغب الوالدان في القراءة لأطفالهما ويدركان أهميتها، لكن هذه الرغبة تتعارض مع الانشغال بالعمل والتعب والمسؤوليات اليومية والتأجيل، في حين ينظر الطفل إلى الأمر بصورة مختلفة، فهو لا يفكر في الفوائد التعليمية التي قد يجنيها بعد سنوات، بقدر ما يهمه أن يستمتع بالتجربة الآن، ولذلك فإن تشجيع القراءة يرتبط بجانبين متكاملين، أن يجد الوالدان ما يجعلها جزءاً من حياتهما مع الطفل، وأن يجد الطفل ما يدفعه إلى انتظار التجربة والرغبة في تكرارها.
ومن هنا، من المهم ألا نقدّم القراءة للوالدين باعتبارها واجباً تعليمياً إضافياً تجاه أطفالهم فقط، فقيمتها تظهر أيضاً في اللحظة التي تجمعهم بالطفل، إذ تفتح القصة مساحة للاقتراب مما يدور في وعي الطفل، وتمنح الوالدين فرصة للاستماع إلى أسئلته وملاحظة ردود أفعاله والطريقة التي يفهم بها الأحداث والشخصيات، وقد تكشف هذه اللحظات ما يثير فضوله، وما يشغل تفكيره، وما يسعده أو يقلقه، وكيف ينظر إلى العالم من حوله، وعندما تصبح القراءة تجربة مشتركة، فإن قيمتها لا تعود مرتبطة فقط بما قد تضيفه إلى تعليم الطفل في المستقبل، بل بما تضيفه إلى العلاقة معه في الحاضر.
أما بالنسبة للطفل، فالتحدي مختلف، إذ تحتاج القراءة إلى ما يجذب اهتمامه ويجعله راغباً في العودة إليها، ويمكن لمنحه مساحة للاختيار والمشاركة، وإثارة فضوله لمعرفة ما سيحدث لاحقاً مما يجعل التجربة أكثر تشويقاً، وهنا يمكن أيضاً الاستفادة من عناصر التجربة، مثل الشعور بالتقدم والإنجاز، أو خوض رحلة تتطور مع الاستمرار في القراءة، أو المشاركة في تحديات جماعية، بحيث تصبح القراءة تجربة ينتظر الطفل استكمالها، لا نشاطاً يمارسه فقط لأن الكبار يخبرونه بأنه مفيد له.
ويمكن للبيئة المحيطة أن تعزز هذه الجهود من خلال الاستفادة من أثر المعايير الاجتماعية، فعندما يرى الطفل القراءة حاضرة من حوله، ويرى الوالدان أسراً أخرى تجعل القراءة لأبنائها جزءاً من حياتها اليومية، تصبح القراءة أكثر حضوراً باعتبارها ممارسة مألوفة في المجتمع، ويمكن للمبادرات المجتمعية أن تعزز هذا الشعور بالمشاركة وتجعل القراءة أكثر حضوراً وانتشاراً، كما أن طريقة الأسر بمشاركة الأطفال القراءة يجب أن تراعي عمر الطفل، ففي مرحلة الطفولة المبكرة يمكن للمؤسسات الصحية أن تكون نقطة مهمة للوصول إلى الوالدين في وقت يكون فيه نمو الطفل وتطوره في صلب اهتمامهما، ويمكن للحضانات ورياض الأطفال أن تؤدي دوراً مماثلاً حيثما كانت متاحة، بينما يزداد دور المدارس الحكومية والمكتبات مع تقدم الطفل في العمر لتكوين علاقة أكثر استقلالاً مع القراءة.
إن تشجيع الأطفال على القراءة يتطلب أكثر من توفير مواد للقراءة أو الحديث عن أهميتها التعليمية، فهو يحتاج إلى فهم ما يجعل التجربة ذات معنى للوالدين، وما يجعل الطفل راغباً في العودة إليها، وكيف يمكن للبيئة المحيطة أن تجعل القراءة أكثر حضوراً واستمراراً، فالهدف لا يقتصر على أن نربي أطفالاً يعرفون كيف يقرأون، بل أن نبني لديهم علاقة مع القراءة تصبح جزءاً من طريقة تعلمهم وتخيلهم وتواصلهم وفهمهم للعالم من حولهم.