بين التحولات التي فرضها «الطفل الرقمي» ومخاوف الذكاء الاصطناعي، وما تتيحه التكنولوجيا من أدوات جديدة للكتابة والتفاعل ناقش أدباء وكتّاب واقع أدب الطفل ومستقبله،خلال ندوة «الكتابة للطفل في زمن التقنيات»، التي أقيمت أول من أمس الجمعة ضمن فعاليات معرض عمّان الدولي للكتاب 2026 الذي ينظمه اتحاد الناشرين الأردنيين.
واستهل الشاعر والناقد الدكتور ناصر شبانة الحديث بمقارنة بين ثورة الذكاء الاصطناعي الراهنة وثورة التلفاز قبل نحو نصف قرن، حين سادت مخاوف من اندثار الكتاب، مؤكداً أن التكنولوجيا «أداة محايدة» وأن الكتاب الورقي قادر على الاستمرار شريطة تعزيز «التربية القرائية» داخل الأسرة والمجتمع، إلى جانب تطوير الكاتب لأدواته وأساليبه.
وأشار شبانة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام ولادة أدب «من الصغار إلى الصغار» بما يتيح للأطفال مساحة أكبر للتعبير بدلاً من اقتصار الكتابة عنهم على الكبار، لافتاً إلى أن الشعر الموزون والمقفى ما يزال،برأيه،من المجالات التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها بالصورة المطلوبة.
من جهته، توقف الدكتور محمود أبو فروة الرجبي عند التحولات التي طرأت على سيكولوجية «الطفل الرقمي» ولا سيما تراجع قدرته على التركيز أمام التدفق السريع للمحتوى،داعياً كتّاب أدب الطفل إلى تطوير طرائق السرد والاستفادة من تقنية «الاستهلال الرقمي المباشر»،(The Hook)،التي تقوم على جذب انتباه الطفل منذ اللحظة الأولى والدخول سريعاً في الأحداث،من دون الوقوع في تبسيط المحتوى أو تسطيحه.
ورأى الرجبي أن الذكاء الاصطناعي يتفوق في بعض المهام ومنها التدقيق والنقد، لكنه يبقى محدوداً في إنتاج الكتابة القصصية الإبداعية،باعتباره قائماً على البرمجة والمعالجة الآلية ويفتقر إلى العمق الإنساني الذي يمنح الحكاية روحها.
بدوره حذر الكاتب والمسرحي يوسف البري من اتخاذ موقف رافض للتكنولوجيا أو الانخراط الكامل فيها داعياً إلى ما وصفه بـ«المزج المنطقي بين الأدب والتقنيات الحديثة. واستعرض تجربة ميدانية ينفذها مع الأطفال يوظف فيها رسومات مولدة بالذكاء الاصطناعي لتحفيز الطلبة على التفكير الناقد ومناقشة ما تنتجه الآلة.
وشدد البري على انحيازه إلى المشروع الإنساني في الكتابة القائم على التعاطف والمشاعر ودفء «حكايا الجدة»، معتبراً أن هذه المساحة الإنسانية تظل من الجوانب التي يصعب على الآلة محاكاتها.
أما الكاتب محمد جمال عمرو، فانتقد استمرار بعض الموضوعات التقليدية في أدب الطفل، داعياً إلى الانتقال بالطفل من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك في العملية الإبداعية من خلال النص الرقمي متعدد الوسائط، الذي يقوم على أربعة عناصر أساسية هي: الطفل والنص والتكنولوجيا والتفاعل.
وفي المقابل حذر عمرو من بعض مخاطر السرد التفاعلي وفي مقدمتها التشتيت الذهني والمخاطر الأمنية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا مؤكداً أن أدب الطفل لا يقتصر على التعليم والإمتاع بل يمكن أن يؤدي أيضاً أدواراً في العلاج والتربية وبناء شخصية الطفل.
وكانت الكاتبة سناء العبدالات قد افتتحت الندوة بالحديث عن الانتقال من حكايات الماضي والكتب المطبوعة التقليدية إلى مخاطبة طفل «يولد وفي يده جهاز لوحي»، مشيرة إلى أن هذا التحول نقل أدب الطفل من التوجيه السلوكي المباشر إلى فضاء تفاعلي تقوده ثقافة الصورة.
ورأت العبدالات أن هذا الواقع يفرض على الكاتب إعادة تعريف دوره، بحيث يتحول إلى «مهندس بصري» ومحفز فكري، قادراً على استثمار أدوات العصر من دون التفريط بالهوية الثقافية، في مواجهة الحضور المتزايد للشاشات في حياة الأطفال.
وفي ختام الندوة كرّم رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين ومدير معرض عمّان الدولي للكتاب، جبر أبو فارس، المشاركين في الندوة تقديراً لمساهماتهم.