فكلما اتسعت الفجوة بين السعر العالمي والتكلفة التي يتحملها المستهلك، انتقلت حصة أكبر من الصدمة إلى الموازنة العامة. وقد يكون هذا التدخل مبرراً عندما تكون الصدمة مفاجئة وحادة، خصوصاً لحماية الفئات الأقل قدرة على تحملها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعالجة الاستثنائية إلى التزام مفتوح، أو عندما يصبح تثبيت الأسعار بديلاً دائماً عن بناء حماية اجتماعية أكثر استهدافاً.
وتكشف تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم هذه المعادلة على المستوى العالمي. فالتقرير الصادر في 29 حزيران 2026 يقدّر أن دعم الوقود الأحفوري عالمياً قد يبلغ نحو 1.1 تريليون دولار خلال العام، بزيادة تقارب 410 مليارات دولار عن 2025، إذا استقر متوسط سعر النفط عند 88.6 دولار للبرميل. وفي سيناريو أشد، يرتفع فيه متوسط السعر إلى 110 دولارات، قد تصل الفاتورة إلى نحو 1.43 تريليون دولار. ويشير البرنامج إلى أن هذه الاستجابات خففت الأثر الفوري لارتفاع الأسعار، لكنها جاءت بكلفة مالية مرتفعة، خصوصاً في اقتصادات نامية تواجه أصلاً ضغوط الدين وضيق الحيز المالي.
المفارقة هنا أن الحكومة لا تلغي تكلفة ارتفاع الطاقة عندما تتدخل لتثبيت الأسعار؛ إنها تعيد توزيعها. فإذا تحملت الخزانة جزءاً من الزيادة، فمصدر التمويل سيكون الإيرادات العامة، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو الاقتراض، بحسب طبيعة السياسة وحجمها. ومع استمرار الضغط، يمكن أن تتحول فاتورة امتصاص الصدمة إلى ضغط على العجز والدين وخدمة الدين، وبالتالي إلى موارد أقل متاحة للاستثمار والخدمات في وقت لاحق.
وهذا لا يعني أن كل دعم للطاقة يؤدي حتماً إلى إضعاف المالية العامة، فالأثر يتحدد بحجم التدخل ومدته ومصدر تمويله ومن يحصل عليه. لكن الخطر يرتفع عندما يكون الدعم شاملاً وغير محدد زمنياً، لأنه يستهلك موارد عامة لتغطية جزء من كلفة الطاقة عن جميع المستهلكين، بمن فيهم من يستطيع تحمل السعر الفعلي، بدلاً من تركيز الموارد على من يحتاجها فعلاً.
وهنا تتضح أهمية ما يصفه صندوق النقد الدولي بمبدأ «حماية الناس وليس الأسعار». فقد رصد الصندوق 879 إجراءً اقتصادياً في 167 دولة استجابة لتداعيات الحرب والصدمة المرتبطة بالطاقة، شملت إجراءات مالية وتسعيرية وغيرها. ويشير الصندوق إلى أن الظروف المالية الحالية أكثر صعوبة مقارنة بصدمة الطاقة السابقة، بفعل ارتفاع أعباء خدمة الدين وتراجع الحيز المالي وازدياد حالة عدم اليقين.
جوهر المسألة إذن ليس في السؤال عما إذا كان على الدولة أن تتدخل، بل في كيفية تدخلها. فترك الأسعار تعكس التكلفة العالمية قد ينقل الصدمة سريعاً إلى النقل والغذاء والإنتاج، خصوصاً في الاقتصادات المستوردة للطاقة، لكن إبقاء الأسعار منخفضة للجميع إلى أجل غير محدد ينقل الكلفة إلى المالية العامة ويضعف إشارة السعر التي تساعد على ترشيد الاستهلاك.
ولهذا يدفع صندوق النقد باتجاه إجراءات مؤقتة وموجهة تسمح، قدر الإمكان، بانتقال التغيرات العالمية إلى الأسعار المحلية، بالتوازي مع حماية الأسر الأكثر تعرضاً للضرر من خلال دعم مباشر أو تحويلات محددة، ومساندة المنشآت القابلة للاستمرار التي تواجه ضغوطاً مؤقتة على السيولة. الفكرة الاقتصادية هنا ليست إلغاء الحماية، وإنما تغيير الجهة التي تستهدفها الحماية وطريقة تقديمها.
وتزداد أهمية هذا التصميم لأن صدمة الطاقة لا تتوقف عند الوقود. فالطاقة تدخل في النقل والتصنيع والزراعة والتخزين، وترتبط كلفة إنتاج الأسمدة وأسعارها بالطاقة والغاز والمواد الأولية. وعندما تتزامن أسعار الطاقة المرتفعة مع اضطرابات في الإمدادات أو تكاليف الشحن أو الإنتاج الزراعي، يصبح انتقال الصدمة إلى الغذاء أكثر احتمالاً، فتتحول المسألة من ارتفاع في فاتورة الطاقة إلى ارتفاع أوسع في كلفة المعيشة.
وفي الاقتصادات النامية، تكون هذه الحلقة أكثر حساسية. فالأسر الأقل دخلاً تخصص حصة أكبر من مواردها للغذاء والطاقة، بينما تكون هوامش الموازنات أضيق وشبكات الحماية الاجتماعية أقل اتساعاً في بعض الحالات. لذلك فإن رفع الأسعار بصورة مفاجئة قد يخفف العبء عن الخزانة، لكنه قد يرفع العبء على الأسر والقطاعات الإنتاجية بسرعة أكبر مما تستطيع استيعابه.
ومن هنا يصبح التصميم التدريجي للسياسة أكثر أهمية من اتخاذ قرار ثنائي بين «الدعم» و«إلغاء الدعم». فالدولة تستطيع، بحسب ظروفها، أن تترك جزءاً من السعر يتحرك مع السوق، وتوجّه في الوقت نفسه دعماً مباشراً إلى الفئات الأكثر تضرراً، وتحدد سقفاً مالياً واضحاً للتدخل ومدة زمنية لمراجعته. وبهذه الطريقة لا تختفي الصدمة، لكنها لا تتحول أيضاً إلى التزام مالي مفتوح.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، تواجه البنوك المركزية صعوبة مختلفة. فارتفاع أسعار النفط أو الغذاء والشحن يمثل في الأساس صدمة عرض، وليس مجرد زيادة في الطلب يمكن كبحها برفع أسعار الفائدة. يستطيع تشديد السياسة النقدية الحد من انتقال الصدمة إلى التضخم الأساسي والتوقعات والأسعار الأخرى، لكنه لا يستطيع زيادة إنتاج النفط أو خفض تكلفة الأسمدة أو إعادة فتح طرق الإمداد المعطلة.
وهذا ما يفسر حساسية المرحلة الحالية أمام صناع السياسة. فقد أشار صندوق النقد الدولي في تحديث آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في تموز 2026 إلى أن مسار انخفاض التضخم العالمي الذي بدأ مطلع 2024 توقف، ورفع توقع التضخم العالمي إلى 4.7% في 2026، مع توقع تراجعه إلى 3.9% في 2027. وفي الوقت نفسه، أبقى الصندوق توقعاته للنمو العالمي عند 3% في 2026 و3.4% في 2027، مع استمرار مخاطر مرتبطة بتجدد الصراع وإعادة تسعير الأصول المالية.
وهكذا تجد السياسة الاقتصادية نفسها أمام معادلة متشابكة: الحفاظ على القدرة الشرائية من جهة، وعدم دفع التضخم إلى مستويات أكثر استمراراً من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه تجنب استنزاف الحيز المالي الذي تحتاجه الدولة إذا جاءت صدمة جديدة.
وهذا التحدي سيكون أكثر وضوحاً في 2027. فالمشكلة ليست في ارتفاع سعر النفط خلال فترة محدودة بحد ذاته، وإنما في احتمال أن تدخل الحكومات العام المقبل بعد أن أنفقت جزءاً كبيراً من هامشها المالي على امتصاص صدمة العام الحالي. وعندها تصبح قدرتها على التدخل في أزمة جديدة أضعف، سواء كانت الأزمة مرتبطة بالطاقة أو الغذاء أو التمويل أو الكوارث المناخية.
لذلك تبرز أهمية النظر إلى دعم الطاقة كأداة لإدارة المخاطر، لا كسياسة تسعير دائمة. فكلما كان التدخل محدداً بزمن وسقف مالي وفئة مستهدفة، أمكن احتواء أثره على الموازنة. وكلما اقترن ذلك بتحسين كفاءة الطاقة وتنويع مصادرها وتعزيز المخزونات الاستراتيجية وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية، أصبحت الدولة أقل تعرضاً لتكرار الصدمة نفسها.
وتزداد هذه الأولوية في ظل ما أشار إليه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن قرابة نصف أفقر دول العالم موجودة بالفعل في وضع ضائقة ديون أو معرضة بدرجة مرتفعة للوصول إليها، فيما تضطر حكومات إلى تحويل موارد من الصحة والتعليم والبنية التحتية للتعامل مع أثر الصدمة.
لهذا فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية لم يعد: كم تستطيع الحكومة أن تدعم؟ بل: كم تستطيع أن تنفق على الحماية من دون أن تستنزف قدرتها على حماية المواطنين في الأزمة التالية؟
الفرق جوهري. فالحماية الاجتماعية الفاعلة لا تعني بالضرورة إبقاء الأسعار منخفضة للجميع، كما أن الاستدامة المالية لا تعني ترك الأسر تواجه الصدمة وحدها. السياسة الأكثر قابلية للاستمرار هي التي توزّع كلفة الأزمة وفق القدرة على تحملها، وتحمي الفئات الأكثر تعرضاً، وتحافظ في الوقت نفسه على موارد الدولة للخدمات والاستثمار.
وفي النهاية، فإن كلفة الدعم لا تظهر فقط في بند مالي مباشر؛ فقد تظهر أيضاً في ما لا تستطيع الدولة إنفاقه لاحقاً. وعندما تتآكل الموارد المخصصة للاستثمار أو ترتفع خدمة الدين أو تتقلص القدرة على الاستجابة للصدمات الجديدة، تصبح فاتورة الحماية مؤجلة بدلاً من أن تكون حلاً نهائياً.
الحفاظ على قدرة المواطن على مواجهة صدمة الطاقة، إذن، يتطلب بالتوازي الحفاظ على قدرة الدولة المالية على مواجهة ما بعدها. وهذه هي المعادلة التي تجعل إدارة دعم الطاقة اليوم جزءاً من إدارة الاستقرار الاقتصادي لسنوات مقبلة، لا مجرد استجابة مؤقتة لتحرك أسعار النفط.