بعد عامين على اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تزال إسرائيل تنظر إلى العملية باعتبارها واحدة من أبرز إنجازاتها العسكرية والاستخبارية، فيما تكشف تحليلات إسرائيلية متزايدة أن الضربة، على أهميتها العسكرية، لم تتحول إلى حسم استراتيجي نهائي في لبنان.
وفي 27 أيلول 2024، اغتالت إسرائيل نصرالله في عملية أطلقت عليها اسم «النظام الجديد»، وقدمتها باعتبارها ضربة قاصمة لحزب الله ومحور إيران في المنطقة.
وبعد عامين، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فالحزب تعرض لخسائر كبيرة في قيادته وبنيته العسكرية، وتراجع جزء مهم من قدراته، لكنه لم ينتهِ كقوة سياسية وعسكرية، فيما لا تزال إسرائيل تبحث عن صيغة تمنع إعادة بناء قدراته وتضمن أمن جبهتها الشمالية على المدى الطويل.
وتقر تحليلات إسرائيلية حديثة بأن الحزب أضعف كثيراً، لكنه لا يزال قادراً على إعادة تنظيم صفوفه، وأن خطر اندلاع مواجهة جديدة لم ينتهِ.
وتكشف شهادات إسرائيلية جديدة عن حجم التحضير الاستخباري الذي سبق اغتيال نصرالله.
ففي تحقيق نشرته «جيروزاليم بوست» في أيلول الحالي، قال ضابط إسرائيلي شارك في إدارة بنك الأهداف إن إسرائيل أسقطت 83 قنبلة خلال العملية، فيما أظهرت التحقيقات الإسرائيلية اللاحقة أن الضربة جاءت في سياق حملة أوسع لتفكيك منظومة القيادة والسيطرة في حزب الله، بدأت قبل اغتيال أمينه العام واستمرت بعده.
وكانت إسرائيل قد كثفت عملياتها ضد قيادة الحزب وبنيته العسكرية قبل اغتيال نصرالله، فيما شكلت عملية تفجير أجهزة الاتصال المحمول (البيجر) في أيلول 2024 واحدة من أكثر الضربات الاستخبارية تأثيراً على التنظيم.
ووفق روايات إسرائيلية، أدى الهجوم إلى إرباك منظومة القيادة والاتصال وإخراج أعداد كبيرة من العناصر والقادة عن الخدمة، قبل أن تأتي عملية اغتيال نصرالله لتضرب رأس الهرم السياسي والعسكري للحزب.
وقدمت إسرائيل هذه العمليات بوصفها خطوة نحو تغيير ميزان القوى في المنطقة.
واعتبر مسؤولون ومحللون إسرائيليون أن اغتيال نصرالله أزال الشخصية التي ارتبط بها حزب الله لعقود، وأضعف قدرته على إدارة المعركة والحفاظ على منظومة الردع التي بناها الحزب طوال سنوات.
لكن الإنجاز العسكري لم يترجم تلقائياً إلى النتيجة السياسية التي كانت إسرائيل تطمح إليها.
فبعد مرور عامين، لا يزال حزب الله موجوداً، وإن كان أضعف بكثير مما كان عليه قبل الحرب، ولا تزال لديه القدرة على إعادة تنظيم صفوفه والعمل في إطار سياسي واجتماعي لبناني معقد.
وتذهب تحليلات إسرائيلية إلى أن الحزب يخضع لضغوط عسكرية واستخبارية وسياسية غير مسبوقة، لكنه لم يتحول إلى تنظيم منتهٍ أو عاجز عن إعادة بناء جزء من قدراته.
وتبرز هنا المعضلة الأساسية التي تواجه الاستراتيجية الإسرائيلية: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري والعمليات النوعية إلى واقع سياسي وأمني مستدام.
في مقال نشرته «جيروزاليم بوست» في حزيران 2026 تحت عنوان «إسرائيل تحتاج استراتيجية أذكى للبنان»، خلص الكاتب دان بيري إلى أن نحو 45 عاماً من المحاولات الإسرائيلية للتعامل منفردة مع حزب الله أظهرت فجوة بين الأهداف العسكرية والنتائج السياسية. واعتبر أن المشكلة لا تكمن في نقص القدرة العسكرية الإسرائيلية، وإنما في صعوبة تحويل القوة العسكرية إلى حل سياسي دائم، لأن بنية حزب الله وشبكاته السياسية والمالية والاجتماعية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من جنوب لبنان.
ويطرح التحليل نفسه سؤالاً أكثر تعقيداً: إذا كانت إزالة حزب الله عسكرياً بصورة كاملة تتطلب حملة واسعة تمتد إلى عمق لبنان، فما الكلفة البشرية والسياسية والاقتصادية لمثل هذا الخيار، وهل يمكن لإسرائيل أن تتحمل احتلالاً طويلاً أو وجوداً عسكرياً دائماً داخل الأراضي اللبنانية؟
هذه الإشكالية ليست جديدة في التفكير الإسرائيلي، فقد أشارت تحليلات أخرى إلى أن إسرائيل جربت، في مراحل مختلفة، إنشاء مناطق أمنية أو الاعتماد على القوة العسكرية لإبعاد حزب الله عن حدودها، لكن الحزب تمكن في كل مرة من إعادة بناء نفسه وتكييف أساليب عمله. وفي آذار 2026، حذرت تحليلات إسرائيلية من أن إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان لفترة طويلة قد تعيد إنتاج الظروف التي ساهمت تاريخياً في تعزيز المقاومة ضد الوجود الإسرائيلي.
وتزداد المعضلة تعقيداً مع استمرار قدرة حزب الله على التكيف مع الضربات الإسرائيلية.
فقد أشارت تقديرات إسرائيلية حديثة إلى أن التنظيم يعمل على إعادة بناء قدراته، ويدرس تحركات الجيش الإسرائيلي وأساليبه، ويحاول تطوير أنماط جديدة من العمل تحت سقف الحرب المفتوحة.
وحذر ضباط في القيادة الشمالية الإسرائيلية في أيلول من أن بقاء الجيش في وضع ثابت داخل لبنان لفترة طويلة قد يفرض عليه كلفة متزايدة، في وقت يواصل فيه الحزب دراسة التجربة الإسرائيلية واستخلاص الدروس منها.
وفي المقابل، يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن المشكلة لا تكمن في أن إسرائيل لم توجه ضربات مؤثرة إلى حزب الله؛ فالضربات التي تلقاها التنظيم منذ 2024 كانت، وفق التقييمات الإسرائيلية، من الأكثر قسوة في تاريخه، لكن السؤال يتمثل في ما إذا كانت هذه الضربات قادرة وحدها على تغيير البنية التي سمحت للحزب بإعادة بناء نفسه في السابق.
وهنا يظهر الفرق بين «الإنجاز التكتيكي» و«الحسم الاستراتيجي». فاغتيال نصرالله كان، وفق الرواية الإسرائيلية، عملية استخبارية وعسكرية شديدة التعقيد وذات أثر كبير في منظومة قيادة حزب الله. لكن إزالة قائد، مهما كان تأثيره، لا تعني بالضرورة إزالة التنظيم الذي قاده، ولا إنهاء البيئة السياسية والاجتماعية والإقليمية التي سمحت له بالنشوء والاستمرار.
وتشير تحليلات إسرائيلية أخرى إلى أن الحرب في لبنان أضعفت الحزب، لكنها لم تحسم بصورة نهائية مستقبل العلاقة بينه وبين الدولة اللبنانية، ولا مستقبل سلاحه، ولا طبيعة علاقته بإيران.
كما أن إسرائيل نفسها لا تزال أمام تحدي منع إعادة بناء قدرات الحزب، في ظل استمرار وجود قنوات سياسية وأمنية لبنانية ودولية تبحث عن ترتيبات جديدة للحدود ومستقبل الوضع الأمني.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة غزة جزءاً من المعضلة نفسها، وإن اختلفت الظروف، فإسرائيل حققت ضربات عسكرية واسعة ضد حماس ودمرت جانباً كبيراً من بنيتها العسكرية، لكنها تواجه أيضاً السؤال ذاته: كيف تتحول السيطرة العسكرية والضربات المتكررة إلى واقع سياسي مستقر؟، وكيف يمكن منع إعادة إنتاج التنظيم أو ظهور بديل مسلح في بيئة دمرتها الحرب؟.
ومن هنا تتقاطع جبهتا لبنان وغزة في إشكالية واحدة: القدرة على تحقيق تفوق عسكري لا تعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية دائمة.
وقد أظهرت التجربة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة أن استهداف القيادات والبنية التحتية يمكن أن يغير ميزان القوة مؤقتاً، لكنه لا يحسم وحده مستقبل الصراع.
أما في لبنان، فتبدو إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيداً.
فمن جهة، أضعفت حزب الله بصورة كبيرة، وقلصت قدراته القيادية والعسكرية، ومن جهة أخرى، لا تزال عاجزة عن ضمان ألا يعيد الحزب بناء قدراته أو تطوير وسائل جديدة للعمل ضدها. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العمليات العسكرية داخل لبنان قد يضعف فرص تعزيز الدولة اللبنانية ومؤسساتها إذا أدى إلى إعادة توجيه الصراع من مواجهة حزب الله إلى مواجهة إسرائيل نفسها.
وبذلك، فإن الذكرى الثانية لاغتيال نصرالله تضع إسرائيل أمام مفارقة واضحة: العملية نفسها يمكن أن تُعد إنجازاً عسكرياً واستخبارياً كبيراً، لكن تقييم نتائجها الاستراتيجية يعتمد على ما إذا كانت قد نجحت في تغيير الواقع الذي أنتج حزب الله، وليس فقط في إزالة قائده.
فبعد عامين، لم يعد السؤال الإسرائيلي مقتصراً على كيفية الوصول إلى نصرالله أو إسقاط قيادات حزب الله، وإنما أصبح: ماذا يحدث بعد ذلك؟ وهل تستطيع إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى ترتيب سياسي وأمني يمنع إعادة بناء الحزب ويضمن أمن حدودها الشمالية؟
وبعد عامين على اغتيال نصرالله، يمكن القول إن إسرائيل حققت إنجازاً تكتيكياً بالغ الأهمية: اختراقاً استخبارياً عميقاً، وضربة عسكرية دقيقة، وإزالة شخصية محورية في تاريخ حزب الله. لكن السؤال الاستراتيجي لا يزال مفتوحاً: هل كان الهدف هو اغتيال نصرالله وإضعاف الحزب، أم إنهاء التهديد الذي مثله الحزب وإعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية في لبنان؟.
حتى الآن، تشير الوقائع والتحليلات الإسرائيلية إلى أن الفارق بين الهدفين لا يزال كبيراً، فحزب الله خرج من الحرب أضعف، لكنه لم يختفِ؛ وإسرائيل حققت تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنها لا تزال تبحث عن صيغة تمنع تجدد التهديد؛ أما لبنان، فما زال عالقاً بين محاولة تعزيز سلطة الدولة واستمرار نفوذ حزب الله وتداعيات الصراع الإقليمي.
وهكذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد عامين ليس فقط: هل نجحت إسرائيل في اغتيال حسن نصرالله؟، فهذا محسوم عسكرياً، بل: هل نجحت في تحويل اغتياله إلى حسم سياسي واستراتيجي دائم، أم أن تجربة لبنان وغزة تكشف مرة أخرى حدود القوة العسكرية عندما لا يرافقها تصور سياسي واضح لما بعد الحرب؟.