الاحتلال يتساهل في ملاحقة مرتكبي الاعتداءات بالضفة
3778حادثة وجريمة ارتكبها مستوطنون منذ 2023
يتصاعد عشية الانتخابات الإسرائيلية الخطاب السياسي التحريضي الصادر عن وزراء وأعضاء في الكنيست، بالتزامن مع استمرار اتساع نطاق اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وسط اتهامات لمنظومة إنفاذ القانون الإسرائيلية بالتساهل في ملاحقة مرتكبي هذه الاعتداءات.
وبحسب تقرير يستند إلى بيانات منظمات حقوق إنسان إسرائيلية، شهدت الضفة الغربية والقدس الشرقية 3778 حادثة وجريمة ارتكبها مستوطنون ضد فلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، أسفرت عن استشهاد 136 فلسطينيًا وإصابة 1832 آخرين.
ويخلص التقرير إلى أن حجم الاعتداءات وطبيعتها، إلى جانب آليات التعامل الرسمي معها، يثير تساؤلات حول ما إذا كان العنف مجرد نشاط لمستوطنين متطرفين خارج سيطرة الدولة، أم أنه يتغذى على سياسات وترتيبات حكومية وأمنية تتيح استمرار الاعتداءات وتحدّ من محاسبة مرتكبيها.
ووفق تقرير مشروع «الحصن» (The Fortress Project)، الصادر في الأول من تشرين الأول 2026، سُجلت 3778 حادثة عنف وجريمة ارتكبها مستوطنون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال الفترة بين 6 تشرين الأول 2023 و28 أيلول 2026.
ووقعت هذه الحوادث في 987 موقعًا، بينها 92 حادثة قاتلة، أدت إلى استشهاد 136 فلسطينيًا وإصابة 1832 آخرين.
وتشكل الاعتداءات الجسدية، بواقع 1049 حادثة، وتدمير الممتلكات، بواقع 986 حادثة، والترهيب والتهديد، بواقع 844 حادثة، والاستيلاء على الأراضي والمراعي، بواقع 698 حادثة، أبرز أنماط الاعتداءات المسجلة.
وتصدرت محافظة الخليل قائمة المناطق الأكثر تعرضًا لهذه الاعتداءات بـ854 حادثة، تلتها نابلس بـ715 حادثة، ثم رام الله والبيرة بـ525 حادثة، فيما سجل آب 2026 أعلى عدد شهري من الحوادث منذ تشرين الأول 2023.
ويشير التقرير إلى أن هذه الأرقام تمثل «حدًا أدنى» وليست إحصاءً شاملًا، إذ اقتصرت عملية التوثيق على الحوادث التي تمكنت منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية أو وسائل الإعلام الإسرائيلية من توثيقها. كما لم تُدرج 787 حادثة وثقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بصورة منفردة، بسبب منهجية التقرير في اعتماد مصادر إسرائيلية فقط.
وتطرح المعطيات أسئلة حول الجهة التي تتولى إدارة الأمن وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة. فالقيادة العسكرية الإسرائيلية، ممثلة بقيادة المنطقة الوسطى، تتولى المسؤولية العسكرية والأمنية العامة، بينما تتولى شرطة منطقة «شاي» مهمة إنفاذ القانون على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ويشير التقرير إلى أن معدل اعتقال المشتبه بهم اليهود في قضايا ما تصفه السلطات الإسرائيلية بـ"الإرهاب اليهودي» انخفض خلال عام 2025 بنحو 50 في المئة مقارنة بالعام السابق، وأنه من أصل 15 طلبًا قدمها جهاز الأمن العام «الشاباك» لاستهداف أهداف يهودية، جرى التعامل مع ثلاثة طلبات فقط.
وفي السادس من حزيران 2024، وخلال اجتماع في قيادة المنطقة الوسطى، نُسب إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توجيه سؤال إلى قائد الوحدة الإقليمية في شرطة «شاي»، أفيشاي معلم، بشأن عدم اعتقال أي مستوطن يهودي خلال الاضطرابات، وفق ما أورده التقرير، الذي أشار إلى أن نتنياهو قال إن «الأمريكيين يضغطون في هذا الشأن».
كما يتضمن التقرير اتهامات لمسؤولين في شرطة «شاي» بعرقلة تحقيقات وتسريب معلومات استخبارية إلى مكتب وزير الأمن القومي أو مساعديه بشأن مشتبه بهم في جرائم قومية ضد فلسطينيين. ويورد أن دورفمان، أحد مساعدي الوزير، ظهر في تسجيل وهو يوصي بتقديم هجوم على فلسطينيين باعتباره «دفاعًا عن النفس». ولا يشير التقرير إلى توجيه اتهامات جنائية في هذه القضية حتى الآن.
ويتولى اللواء آفي بالوط قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، التي تشمل الضفة الغربية.
ويعرض التقرير انتقادات لأسلوب تعامل القيادة العسكرية مع ملف المستوطنين، فيما ينسب إلى مصادره القول إن خلفية بعض المسؤولين وعلاقاتهم بالمستوطنين تثير تساؤلات بشأن استقلالية التعامل مع الاعتداءات. وهذه تبقى ادعاءات واردة في التقرير وليست أحكامًا قضائية مثبتة.
وفي الجانب السياسي والإداري، حصل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، في إطار اتفاق الائتلاف الحكومي، على صلاحيات واسعة في وزارة الدفاع تتعلق بالشؤون المدنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ووفق تقرير للأمم المتحدة، جرى في عام 2023 تقليص مراحل المصادقة على مشاريع توسيع المستوطنات، مع إنشاء ترتيبات إدارية جديدة للإشراف على النشاط الاستيطاني.
وبحسب التقرير محل البحث، سمحت التغييرات الإدارية والقانونية بتوسيع نطاق التراخيص المتعلقة بالرعي والمنشآت الزراعية، بما في ذلك منشآت مؤقتة تضم قطعانًا صغيرة من الماشية، الأمر الذي ساهم، وفق منتقدين لهذه السياسات، في تغيير الوقائع على الأرض، ولا سيما في المنطقة «ج».
وبعد السابع من تشرين الأول 2023، ومع النقص في القوى البشرية العسكرية، أوكل الجيش الإسرائيلي مهمة حماية عدد من المستوطنات إلى فرق أمنية محلية، وزُود أفرادها بأسلحة عسكرية، بحسب التقرير. ويرى منتقدون لهذه السياسة أنها أدت إلى تداخل أكبر بين المستوطنين المسلحين والمنظومة الأمنية الرسمية، بينما تقول إسرائيل إن تسليح فرق الأمن المحلية جاء في إطار حماية المستوطنات في ظل الظروف الأمنية القائمة.
وفي مواجهة ما يصفه التقرير بتراجع التعاون الشرطي في بعض ملفات العنف، كثف جهاز «الشاباك» استخدام الاعتقال الإداري بحق عدد من المستوطنين المشتبه بضلوعهم في أعمال عنف وتخريب للممتلكات. وتستند هذه الإجراءات إلى معلومات استخبارية ولا تتطلب توجيه لائحة اتهام، وهو ما أثار نقاشًا داخل إسرائيل حول نطاق استخدامها ضد المستوطنين مقارنة باستخدامها بحق الفلسطينيين.
وتقدم قضية قرية برقة نموذجًا لما يصفه التقرير بالتعقيدات التي تواجه التحقيق في جرائم المستوطنين. ففي الرابع من آب 2023، وصل مستوطنون إلى منطقة رعوية قرب القرية، واندلع اشتباك بالحجارة بين الطرفين انتهى بمقتل الفلسطيني قصي معطان، البالغ 19 عامًا، بالرصاص.
وأوقفت السلطات الإسرائيلية إسرائيليين اثنين على خلفية الحادثة، هما يحيئيل إندور، البالغ 29 عامًا من عوفرا، وإليشع يارد، البالغ 23 عامًا من بؤرة معاليه ميغرون، وكان يعمل متحدثًا باسم عضو الكنيست ليمور سون هار-ميليخ. ودفع الاثنان بكون ما جرى دفاعًا عن النفس. وبحسب التقرير، أحال جهاز «الشاباك» المواد الاستخبارية مباشرة إلى النيابة العامة خشية تسريبها من الشرطة إلى مكتب الوزير، فيما أمضى يارد عدة أيام رهن الإقامة الجبرية قبل أن يغادر دون تقديمه للمحاكمة في القضية.
وتشير المادة إلى أن أحد المشاركين في الحادثة ظهر لاحقًا في سياق حادثة أخرى ضد فلسطينيين، وأن الاعتداءات على القرية استمرت، وهي وقائع تحتاج إلى نسب واضح للمصدر عند نشرها.
ولا يقتصر الجدل على أداء الأجهزة الأمنية، إذ يرتبط أيضًا بالخطاب السياسي الصادر عن عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست. ففي آذار 2023، وبعد هجوم للمستوطنين على بلدة حوارة، قال سموتريتش إن البلدة «يجب أن تُمحى» وإن على دولة إسرائيل أن تقوم بذلك، قبل أن يوضح لاحقًا أنه لم يكن يقصد محو البلدة بأكملها وإنما استهداف من وصفهم بالإرهابيين وداعميهم.
وتكشف هذه التصريحات، إلى جانب مواقف أخرى لوزراء وأعضاء كنيست دعمت المستوطنين أو انتقدت اعتقالهم، عن حضور ملف العنف الاستيطاني في الخطاب السياسي الإسرائيلي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والسياسة الداخلية مع قضية الاستيطان والضفة الغربية.
ويشير التقرير إلى صعوبة قياس الحجم الحقيقي لجرائم المستوطنين في ظل غياب قاعدة بيانات إسرائيلية رسمية ومحدثة تنشر جميع الحوادث بصورة منتظمة.
فالجيش والشرطة ينشران أحيانًا بيانات تراكمية سنوية لوسائل الإعلام، بينما لا ينشر «الشاباك» بيانات تفصيلية عن الجرائم القومية التي يرتكبها المستوطنون، ولا تتاح بعض بيانات إنفاذ القانون إلا عبر طلبات حرية المعلومات التي تقدمها منظمات حقوقية إسرائيلية، بينها «يش دين».
كما تفرض منهجية التوثيق حدودًا إضافية على الأرقام، إذ لا تشمل القائمة الأنشطة العسكرية التي تقع ضمن إطار عمليات الجيش، مثل المداهمات والاعتقالات أو المواجهات مع مسلحين أو تطبيق القانون عند الحواجز.
وفي المقابل، تُدرج فيها الحوادث التي يتصرف فيها جنود نظاميون أو احتياط خارج إطار العمليات العسكرية، بعد مراجعة بشرية فردية، ويبلغ عدد الجرائم التي تورط فيها مستوطنون وجنود من هذا النوع 257 حادثة، وفق التقرير.
وبذلك، تضع الأرقام المتاحة ملف عنف المستوطنين أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تسجيل عدد الاعتداءات، إذ تشمل طبيعة العلاقة بين المستوطنين والأجهزة الأمنية، وآليات التحقيق والملاحقة، والتغييرات الإدارية والقانونية المرتبطة بالاستيطان، إلى جانب الخطاب السياسي الذي يصدر عن مسؤولين منتخبين.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبرز السؤال حول ما إذا كان تصاعد الخطاب التحريضي سيقود إلى مزيد من الاعتداءات على الأرض، أم سيدفع المؤسسات الرسمية إلى تشديد إجراءات إنفاذ القانون ومحاسبة مرتكبيها.