منذ اندلاع الحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية، تعرضت أسواق النفط والطاقة العالمية لصدمة قوية، دفعت أسعار الخام والمشتقات إلى الارتفاع، ورفعت تكاليف النقل والتأمين، في وقت اشتدت فيه الضغوط على إمدادات الديزل ووقود الطائرات.
لكن عند النظر إلى الحالة الأردنية، لا يقتصر السؤال على حجم ارتفاع أسعار النفط عالميًا، بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كم من هذه الزيادة انعكس فعليًا على المواطن الأردني؟
تكشف المقارنة بين الأسعار العالمية والمحلية أن الأردن لم ينقل كامل الصدمة النفطية إلى السوق المحلية، بل اتبع سياسة التدرج في تعديل أسعار المشتقات، فيما تحملت الخزينة جزءًا من الفروقات السعرية، بهدف الحد من انتقال كامل الارتفاع العالمي إلى المستهلك.
النفط العالمي.. من 70 إلى أكثر من 100 دولار
قبل الأزمة، كان خام برنت يتحرك عند مستويات تقارب 70 دولارًا للبرميل. ومع اندلاع الحرب، ارتفعت الأسعار بصورة حادة، ليتجاوز سعر برنت حاجز 100 دولار للبرميل، ويسجل متوسطًا بلغ نحو 120 دولارًا في نيسان، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقًا، مع بقائها أعلى من مستويات ما قبل الحرب.
وفي أيلول، أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن سعر برنت بلغ 113.48 دولارًا للبرميل في 9 أيلول، فيما بقيت أسعار النفط أعلى بنحو 45% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
غير أن الصدمة الأكبر ظهرت في سوق المشتقات النفطية، ولا سيما الديزل، الذي شهد ارتفاعات حادة نتيجة اضطراب الإمدادات، وتراجع صادرات المشتقات، وارتفاع تكاليف النقل والتكرير.
ووفق وكالة الطاقة الدولية، تجاوز سعر الديزل في السوق الأميركية 263 دولارًا للبرميل في بداية أيلول، بزيادة تقارب 94% عن مستويات ما قبل الحرب.
ماذا حدث في الأردن؟
في آذار، كان سعر لتر بنزين أوكتان 90 يبلغ 820 فلسًا، فيما بلغ سعر لتر الديزل 655 فلسًا.
ومع استمرار الأزمة وارتفاع كلف الاستيراد، ارتفعت الأسعار المحلية تدريجيًا، إلا أن الزيادة لم تعكس كامل الارتفاع الذي شهدته الأسواق العالمية.
وبحلول أيلول، استقرت أسعار المشتقات النفطية في الأردن عند:
1000 فلس للتر بنزين أوكتان 90.
850 فلسًا للتر الديزل.
1310 فلسات للتر بنزين أوكتان 95.
550 فلسًا للتر الكاز.
وبذلك ارتفع سعر بنزين أوكتان 90 منذ بداية الأزمة بنحو 22%، فيما ارتفع سعر الديزل بنحو 30%.
وهنا تظهر الفجوة بين السوق العالمية والسوق الأردنية؛ ففي الوقت الذي شهد فيه الديزل العالمي ارتفاعًا يقارب 94% في السوق الأميركية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بلغت الزيادة المحلية في الأردن نحو 30%.
الخزينة تتحمل جزءًا من الصدمة
لم يكن انخفاض انتقال الصدمة العالمية إلى المواطن الأردني ناتجًا عن تراجع كلفة النفط عالميًا، وإنما جاء في جزء منه نتيجة سياسة التسعير التدريجي وعدم عكس كامل الارتفاع في الأسواق العالمية على الأسعار المحلية.
وبحسب وزارة الطاقة، بلغت الفروقات السعرية التي تحملتها الخزينة نحو 224 مليون دينار حتى نهاية آب.
ويعكس هذا الرقم الكلفة المالية لسياسة امتصاص جزء من الصدمة العالمية، إذ تحملت الخزينة جزءًا من الفارق، في حين انتقلت نسبة أخرى من الزيادة إلى المستهلك من خلال تعديلات سعرية تدريجية.
وبذلك، لم يتحمل المواطن الأردني كامل الارتفاع الذي شهدته الأسواق العالمية دفعة واحدة، بينما تحملت المالية العامة جزءًا من كلفة هذه الحماية.
لماذا يمثل الديزل أهمية خاصة؟
لا تقتصر أهمية الديزل على قطاع النقل، إذ يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة قطاعات واسعة من الاقتصاد، من الشاحنات والنقل العام، إلى الزراعة والصناعة والإنشاءات والخدمات اللوجستية.
ولهذا فإن ارتفاع سعر الديزل لا يتوقف تأثيره عند محطة الوقود، بل يمكن أن ينتقل إلى كلفة نقل السلع وإنتاجها، وبالتالي إلى أسعار العديد من المنتجات والخدمات.
ومن هنا، فإن الحد من ارتفاع سعر الديزل محليًا مقارنة بالارتفاع العالمي يمكن أن يساهم في تقليل انتقال موجة التضخم إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
معادلة صعبة بين حماية المستهلك والاستدامة المالية
أزمة الطاقة تضع الأردن أمام معادلة دقيقة؛ فالتعامل مع ارتفاع الأسعار لا يمكن أن يقوم فقط على تثبيت الأسعار بالكامل، كما أن نقل كامل الارتفاع العالمي إلى المستهلك بشكل فوري يفرض أعباء إضافية على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وبين الخيارين، اتجه الأردن إلى سياسة تقوم على التدرج في تعديل الأسعار، بما يوزع كلفة الصدمة بين المستهلك والخزينة.
لكن استمرار تحمل الفروقات السعرية لفترات طويلة يفرض في المقابل تحديًا على المالية العامة، خصوصًا إذا بقيت أسعار الطاقة العالمية عند مستويات مرتفعة.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتعلق فقط بكيفية حماية المستهلك من ارتفاعات أسعار النفط، وإنما أيضًا بكيفية تطوير أدوات أكثر استدامة للتعامل مع صدمات الطاقة مستقبلًا، بما يحقق توازنًا بين حماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار المالي.
أرقام تختصر المشهد
عند وضع الأرقام إلى جانب بعضها، تبدو الصورة أكثر وضوحًا:
برنت: من نحو 70 دولارًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.
بنزين أوكتان 90 في الأردن: من 820 إلى 1000 فلس للتر.
الديزل في الأردن: من 655 إلى 850 فلسًا للتر.
الفروقات السعرية التي تحملتها الخزينة: نحو 224 مليون دينار حتى نهاية آب.
هذه الأرقام تظهر أن الصدمة النفطية العالمية وصلت إلى الأردن، لكنها لم تنتقل إلى المستهلك بالمستوى نفسه الذي شهدته الأسواق العالمية.
وفي المقابل، فإن امتصاص جزء من الصدمة عبر الخزينة له كلفة مالية، ما يجعل إدارة ملف الطاقة أمام تحدٍ مزدوج: حماية المواطن من تقلبات أسعار النفط العالمية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استدامة المالية العامة.
وتبقى تجربة الأردن خلال الأزمة مثالًا على محاولة توزيع كلفة صدمة الطاقة بدل تمريرها كاملة وفورًا إلى المستهلك، مع