لكن الأهم في خطابه كان قوله بوضوح: "سنقرن الأقوال بالأفعال". وهنا تتجاوز الرسالة حدود الإدانة إلى إعلان نية استخدام أدوات سياسية واقتصادية، خصوصًا في مواجهة الاستيطان ومحاولات تقويض حل الدولتين.
وأرى أن لهذا الموقف بُعدًا آخر. فميليباند حرص على الفصل بين المجتمع الإسرائيلي وسياسات حكومته، بما يمكن قراءته أيضًا رسالة تحذير من العواقب التي قد تتركها سياسات حكومة نتنياهو وفريقه على إسرائيل نفسها. فالأمن لا يمكن أن يكون أحادي الجانب، ولا يمكن بناء أمن الإسرائيليين على غياب أمن الفلسطينيين.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية من منظور أردني، لأنه يقترب بصورة واضحة من الرؤية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين منذ سنوات، والتي أعاد طرحها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: أن أمن المنطقة لا ينفصل عن حل القضية الفلسطينية، وأن حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية يشكلان أساسًا للاستقرار الإقليمي.
وليس هذا التقاطع نظريًا. فقد رحّب الأردن رسميًا بالإجراءات البريطانية ضد منتجات المستوطنات والخدمات المرتبطة بتوسعها، معتبرًا إياها خطوة تسهم في حماية حل الدولتين، ومجددًا موقفه الثابت بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وهنا تبرز القدس أيضًا؛ فمواجهة محاولات تغيير واقع القدس الشرقية والاستيطان فيها تلتقي مع موقف أردني ثابت تجاه المدينة ومقدساتها، ومع الدور التاريخي للوصاية الهاشمية بقيادة جلالة الملك في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية. ومن هنا يمكن لهذا التقارب في المواقف أن يفتح مساحة دبلوماسية أوسع أمام الأردن للدفاع عن حل الدولتين ومكانة القدس.
لكن للخطاب بُعدًا بريطانيًا داخليًا لا يقل أهمية. ميليباند لم يقل هذه الكلمات أمام الأمم المتحدة، بل أمام مؤتمر حزب العمال. وعندما قال للمنتقدين للسياسة السابقة تجاه معاناة الفلسطينيين: "نسمعكم، كنتم على حق"، كان يخاطب أيضًا قواعد الحزب والناخب البريطاني.
لقد أصبحت فلسطين جزءًا من النقاش السياسي الداخلي البريطاني، والحزب الحاكم يدرك أن موقفه منها أصبح موضع مساءلة انتخابية وشعبية.
لذلك خرجت من ليفربول رسائل في عدة اتجاهات: إلى حكومة نتنياهو بأن تقويض حل الدولتين سيواجه إجراءات، وإلى المجتمع الإسرائيلي بأن الخلاف مع سياسات حكومته، وإلى الفلسطينيين بأن حقوقهم حاضرة، وإلى الناخب البريطاني بأن صوته وصل.
ويبقى الامتحان الحقيقي في عبارة ميليباند نفسه: سنقرن الأقوال بالأفعال.
فإن تحولت الكلمات إلى سياسة مستدامة، فقد يكون مؤتمر ليفربول بداية مرحلة مختلفة في المقاربة البريطانية للقضية الفلسطينية.
كاتب ومحلل سياسي-لندن