في غزة، تستمر القضية في الدوران حول السيطرة الأمنية ومستقبل القطاع وترتيبات إدارته وإعادة الإعمار، وتربط حكومة الاحتلال تحركاتها العسكرية بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، بينما أدى استمرار العمليات إلى واقع انساني وسياسي بالغ التعقيد، غير أن مستقبل غزة يرتبط في جوهره بمستقبل القضية الفلسطينية، وبالعلاقة بين القطاع والضفة الغربية، وبالقدرة على فتح مسار سياسي يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة، وأي ترتيبات أمنية منفصلة عن هذا المسار ستكون قد تكون سبباً رئيسياً في إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.
وفي الضفة الغربية، تجتمع وتتنوع أشكال الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بدءاً من الاقتحامات والاعتقالات والقيود على الحركة مع التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وانتهاءً باعتداءات المستوطنين، في مسار يغير الوقائع الجغرافية بصورة متواصلة. وقد حذر جلالة الملك عبدالله الثاني خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة من سياسات حكومة الاحتلال المتعلقة بالضم والتوسع الاستيطاني، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يرتبط بضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة.
أما لبنان، فقد أصبح ساحة واضحة لمحاولة فرض نطاق أمني خارج الحدود الإسرائيلية وداخل الأراضي اللبنانية، ورغم تبريرات حكومة الاحتلال التي ادعت فيها أن وجود قواتها في جنوب لبنان مرتبط بمنع تهديدات حزب الله، إلا أن اعتداءاتها التوسعية عبر احتلال المزيد من الأراضي داخل لبنان، حيث أعلنت عن تثبيت سيطرتها العملياتية على مواقع استراتيجية في المنطقة، وأكدت استمرار بقائها داخل ما تسميه "المنطقة الأمنية". وتكشف هذه التطورات عن واقع شديد الخطورة، إذ يتحول الانتشار العسكري الذي يقدم باعتباره إجراء أمنياً مؤقتاً إلى ترتيبات ميدانية قابلة للاستمرار، بما يمس سيادة لبنان ويعيد تعريف الحدود من منظور القوة العسكرية.
وتظهر الصورة ذاتها في سوريا، حيث تواصل قوات الاحتلال اعتداءاتها وتوغلاتها في الجنوب السوري تحت ذرائع تتصل بالأمن ومنع التهديدات، وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه في الأمم المتحدة وبوضوح أن هذه التوغلات تهدد بصورة مباشرة الأمن الوطني الأردني، ودعا إلى وقفها، في وقت تحاول فيه سوريا استعادة الاستقرار وترسيخ مؤسسات الدولة، وتزداد خطورة هذه التطورات عندما تترافق العمليات العسكرية مع إنشاء مواقع وانتشار ميداني جديد، لأن الوقائع التي تفرضها القوة قد تتحول مع الوقت إلى ترتيبات أمنية دائمة.
وعند قراءة غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا ضمن مسار واحد، تظهر ملامح استراتيجية تقوم على توسيع نطاق الأمن الاسرائيلي إلى عمق الأراضي المحيطة، وقد وثقت تقارير وتحقيقات خلال عام 2026 اتساع الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة وجنوب لبنان والجنوب السوري، مع ظهور مناطق عازلة أو نطاقات سيطرة فعلية تتجاوز خطوط الانتشار السابقة.
وهنا تبرز مسألة الاطماع التوسعية الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من النقاش حول مستقبل المنطقة، فالسيطرة العسكرية على الأرض، والتوسع الاستيطاني، وفرض مناطق أمنية، والتوغلات داخل أراضي دول الجوار، تشكل في مجموعها مساراً يثير مخاوف عربية واسعة من تحويل الاعتداءات المؤقتة إلى واقع جغرافي وسياسي طويل الأمد، وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن هذا القلق بوضوح، محذراً من أن "النزعة التوسعية" للحكومة الاسرائيلية أصبحت تهديداً إقليمياً، ومشيراً إلى التوغلات في سوريا والتوسع التدريجي في الأرض وفرض وقائع جديدة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، الذي يجد نفسه أمام بيئة أمنية تتغير على حدوده الغربية والشمالية في الوقت نفسه، لا سيما وأن الضفة الغربية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني، والجنوب السوري يمثل امتداداً جغرافياً وأمنياً للحدود الشمالية، فيما تؤثر تطورات لبنان وغزة في مجمل التوازنات الإقليمية، ولهذا فإن الاعتداءات الإسرائيلية على دول الجوار لا تبقى شأناً ثنائياً، وإنما تتحول إلى عامل ضغط على منظومة الأمن والاستقرار في المشرق العربي.
وتكشف هذه الجبهات المتعددة عن انتقال حكومة الاحتلال الإسرائيلي من إدارة الحروب إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها عبر القوة العسكرية والانتشار الميداني وفرض وقائع جديدة، وتبقى الذريعة الأمنية حاضرة في الخطاب الإسرائيلي، لكن اتساع العمليات خارج الحدود والتوسع الاستيطاني والتمسك بمناطق أمنية يفتح نقاشاً أوسع حول الأهداف بعيدة المدى لهذه السياسة.
في المحصلة، تواجه المنطقة اليوم معادلة تتصل بمستقبل الحدود والسيادة والقضية الفلسطينية معاً، لا سيما وأن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والاعتداءات على دول الجوار يوفر بيئة دائمة لإعادة إنتاج الصراع، بينما يحتاج الاستقرار إلى مسار مختلف يقوم على احترام سيادة الدول، ووقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وفي غياب هذا المسار، وستظل الوقائع التي تحاول قوات الاحتلال الإسرائيلي فرضها بالقوة عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل المشهد الأمني للشرق الأوسط، الأمر الذي سيبقي كل المنطقة تحت ضغط جبهات مفتوحة على احتمالات التصعيد في أيّ لحظة.