هكذا جاءت 47 ثانية في مستهل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لم تكن الـ47 ثانية مجرد رقم عابر، ولم يكن المقصود منها الحديث عن الشاشات وحدها، بل عن الإنسان الذي يعيش في زمن تتسارع فيه الأخبار إلى درجة تجعل الأزمة القديمة تتوارى قبل أن تجد طريقها إلى الحل.
في عالم اليوم، تكفي أزمة جديدة لكي تتراجع أزمة أخرى عن صدارة المشهد. غزة تتصدر، ثم يأتي حدث جديد ليزاحمها، والسودان يغيب عن العناوين رغم استمرار المأساة، وأوكرانيا تعود إلى الواجهة ثم تتراجع، وسوريا قد تختفي من نشرات الأخبار فيما تستمر تداعيات أزمتها.
هنا تصبح المسألة أكبر من الإعلام.
إنها مسألة ذاكرة دولية.
فالاهتمام العالمي أصبح سريعًا، لكن الأزمات بطيئة. الصورة تتغير خلال ثوانٍ، أما آثار الحرب والتهجير والدمار فتحتاج سنوات وربما أجيالًا حتى تزول.
وهذا ما يجعل بداية خطاب الملك لافتة؛ فهو لم يكتفِ بوصف الأزمات، بل وضع العالم أمام مشكلة أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح اهتمامنا أقصر من عمر الأزمات التي نتابعها؟
لقد اعتدنا أن نقيس أهمية القضية بعدد مرات ظهورها على الشاشات، بينما الحقيقة أن معاناة الشعوب لا تُقاس بمساحة التغطية الإعلامية.
قد تختفي الكاميرا، لكن الإنسان يبقى في مكانه.
قد ينتهي البث، لكن الأزمة لا تنتهي.
وقد يتغير العنوان، لكن آثار ما حدث تظل حاضرة.
ولذلك تبدو عبارة جلالة الملك:
«فما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا»
أقرب إلى مفتاح لفهم الرسالة كلها.
فالسياسة الدولية لا ينبغي أن تتحرك وفق سرعة الأخبار، ولا أن تتعامل مع المآسي بمنطق الموسم الإعلامي.
47 ثانية إذن لم تكن مجرد مقدمة لخطاب؛ كانت دعوة إلى استعادة شيء يفقده العالم تدريجيًا: القدرة على التذكّر.
أن نتذكر أن خلف كل خبر إنسانًا، وخلف كل أزمة مستقبلًا، وأن ما نغض الطرف عنه اليوم قد يصبح أزمة أكبر غدًا.
ربما أراد الملك أن يقول للعالم ببساطة:
لا تجعلوا سرعة النسيان أسرع من سرعة صناعة السلام.