في قلب سوق الطفيلة القديم، وعلى بعد نحو مئتي متر فقط إلى الجنوب من قلعتها الأثرية، يتوسط (مسجد النشاش) التضاريس العمرانية والتاريخية للمدينة، مشكلاً أقدم المساجد القائمة في المحافظة، وأحد أبرز الشواهد المعمارية والدينية التي اختزلت حركة الحياة الاجتماعية والإيمانية لأهالي القصبة عبر نحو أربعة قرون متعاقبة.
ويوثق المؤرخون في محافظة الطفيلة، استناداً إلى مسوحات ميدانية ودراسات تاريخية السيرة المعمارية والدينية لهذا الصرح الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وتحديداً زهاء عام 1650م، حيث نشأ البناء الأول وسط حارات بعض العشائر ومحاطاً بأزقة البيوت الحجرية القديمة، ليكون نقطة ارتكاز إيمانية ومجمعاً أهلياً لقاطني المنطقة وزوارها.
وأكد مدير أوقاف محافظة الطفيلة، الدكتور لؤي الذنيبات، أن (مسجد النشاش) يحظى بمكانة دينية وتاريخية استثنائية في الذاكرة التراثية للمحافظة، كونه يمثل أولى المواقع الإيمانية التي أُسست في قصبة الطفيلة لتجميع المصلين ونشر العلوم الشرعية.
وأوضح الذنيبات أن مديرية الأوقاف تولي المساجد التاريخية والأثرية في المحافظة عناية خاصة من خلال إدراجها ضمن برامج الصيانة والترميم الدوري، والحفاظ على هويتها المعمارية والتراثية بالتعاون مع اللجان المحلية والمؤسسات ذات العلاقة، لضمان استمرار أدائها لدورها الديني والتثقيفي ببيئة آمنة ولائقة.
ويقول المؤرخ الدكتور اسحاق عيال سلمان إن تسمية المسجد تعود ،وفق البيانات التوثيقية والدراسات التاريخية، إلى أحد الأشخاص من عائلة النشاش، أحد رجال الدعوة والزهد الذين وفدوا إلى المنطقة نهاية القرن السادس عشر الميلادي بالتزامن مع بدايات العهد العثماني في الأردن.
وأضاف عيال سلمان أن النشاش قد انطلق في رحلته من منطقة العلا في الحجاز التي استقرت بها العائلة قادمة من ديار نجد، قبل أن يتخذ من موقع الطفيلة الجغرافي مستقراً ومقاماً للدعوة والتعبد.
وأوضح أن النشاش شيّد في البداية غرفة واسعة من الحجارة والطين لم تتجاوز مساحتها ثلاثين متراً مربعاً، على نمط البناء العماراتي السائد آنذاك في محيط قلعة الطفيلة، واستمر يتعبد ويؤم الناس فيها حتى وفاته في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، ليدفن في أرض مجاورة للبناء مباشرة.
وأشار إلى أن المسجد شهد تحولات متدرجة كشفت عن حرص المجتمع المحلي والمؤسسات الرسمية على ديمومته؛ إذ أعاد أهالي الطفيلة بناءه بسواعدهم ذاتياً في مراحل لاحقة باستخدام الحجر والطين لتتوسع مساحته إلى زهاء تسعين متراً مربعاً.
وبيّن أن بناء المسجد يشتمل على مدخل شمالي يطل مباشرة باتجاه القلعة، ويتوزع فيه حرم المسجد عن يمين الداخل وقبر مؤسسه عن شماله، إضافة إلى محراب ونافذتين صغيرتين في الجدار الجنوبي لإنارة القاعة وتوفير التهوية.
وكان البناء القديم شهد عددا من عمليات الترميم وذلك بسبب تقادم العهد وتأثره بالعوامل الجوية والتصدعات لإنشائه الطيني التراثي، حيث جرت إعادة تشييده وفق المخططات الحديثة عام 1973، في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه-، ليظهر المسجد بالهيكل الخرساني المطور الذي يتسع لعدد أكبر من المصلين.
وفي عام 2005، واصلت لجنة المسجد المحلية بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية عمليات التحديث وتطوير البيئة التحتية للمرفق؛ حيث أضيفت للمبنى مئذنة مرتفعة شقت سماء السوق القديم، وتمت توسعة الممرات وتنظيم المداخل والبوابات الخارجية وتزويده بالخدمات الحديثة، ليبقى (مسجد النشاش) حتى يومنا هذا منارة إيمانية ومعلماً تراثياً حياً يربط الحاضر بعبق التاريخ في قلب الطفيلة.