تتجه أنظار الجماهير الأردنية عند الثامنة من مساء اليوم، صوب ستاد الملك عبدالله الثاني بالقويسمة، حيث يلتقي المنتخب الوطني لكرة القدم نظيره السوري في مواجهة ودية تحمل أكثر بعد وعنوان.
وتتجاوز المباراة في أهميتها حدود المحطة التحضيرية العابرة، باعتبارها الظهور الأول للمدير الفني المغربي بادو الزاكي على رأس الجهاز الفني للمنتخب، وانطلاق مرحلة جديدة يفترض أن تبني على ما تحقق خلال السنوات الماضية، وتفتح في الوقت ذاته صفحة جديدة استعداداً للاستحقاق القاري الكبير.
المواجهة التي تأتي ضمن البرنامج الإعدادي لنهائيات كأس آسيا 2027، ستكون الأولى للزاكي منذ توليه المهمة خلفاً لمواطنه جمال السلامي، الذي ترك المنتخب بعد مرحلة تاريخية قاد خلالها النشامى إلى نهائيات كأس العالم 2026، بعدما كان حسين عموتة وضع الأساس بالوصول إلى نهائي كأس آسيا 2023، قبل أن يواصل السلامي المسيرة ويحقق التأهل المونديالي للمرة الأولى في تاريخ الكرة الأردنية.
وبالتالي، فإن مباراة سوريا تمثل عملياً نقطة الانتقال من مرحلة إلى أخرى، من دون أن تعني بأي حال من الأحوال التخلي عن المكتسبات السابقة أو إجراء تغيير شامل ومفاجئ في هوية المنتخب.
تغيير تدريجي
منذ مؤتمره الصحفي الأول، حرص الزاكي على التأكيد أن عملية التغيير داخل صفوف النشامى ستكون تدريجية، وأن اختياراته قامت على متابعة مستويات اللاعبين وعدد مشاركاتهم، مع المزج بين عناصر الخبرة والوجوه الشابة.
وكان المدرب المغربي واضحاً أيضاً في التأكيد أن باب المنتخب سيبقى مفتوحاً أمام الجميع، وأن المردود داخل الملعب سيكون أحد أبرز معايير الاختيار، إلى جانب العمل على إيجاد توليفة متوازنة تمنح النشامى خيارات متعددة في مختلف المراكز.
وهذا التوجه يبدو منطقياً في ظل طبيعة المهمة التي تسلمها الزاكي؛ فالنشامى ليس أمام مشروع يبدأ من الصفر، وإنما أمام منتخب خرج من واحدة من أهم المراحل في تاريخه، وشارك للمرة الأولى في كأس العالم، ويستعد الآن لاستحقاق آسيوي جديد بطموحات أكبر.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للزاكي لن يكون في عدد الأسماء الجديدة التي يدفع بها، بقدر ما سيكون في قدرته على تطوير التفاصيل، ومعالجة مواطن الخلل، والمحافظة على شخصية المنتخب، وإضافة أفكار جديدة تتناسب مع إمكانات اللاعبين.
ملامح فنية متوقعة
من الناحية التكتيكية، يميل الزاكي تاريخياً إلى استخدام 4-3-3، وتظهر قواعد بيانات المدربين هذا التوجه بوضوح، مع تسجيل استخدامه أيضاً تشكيلات مختلفة وفق طبيعة المنافس والمجموعة المتاحة.
ومن هنا، تبدو إمكانية اعتماد النشامى أمام سوريا على شكل قريب من 4-3-3 واردة، خصوصاً مع وجود أجنحة قادرة على التحول السريع، ولاعبين في الوسط يمتلكون القدرة على بناء اللعب، إلى جانب عناصر دفاعية تملك خبرة دولية واسعة.
لكن الزاكي لن يكون مضطراً إلى الالتزام الحرفي بهذا الرسم، إذ يمكن أن يتحول الفريق أثناء امتلاكه الكرة إلى شكل أكثر هجومية، أو إلى 4-2-3-1 في بعض مراحل المباراة، بحسب تمركز لاعبي الوسط وموقع موسى التعمري وطريقة تحرك الجناحين والمهاجم.
والأهم في الظهور الأول سيكون التعرف إلى المبادئ التي يريد الزاكي ترسيخها: سرعة نقل الكرة، استغلال المساحات، الضغط عند فقدانها، وتحسين الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، مع الحفاظ على التوازن وعدم منح المنافس مساحات مجانية.
بين الخبرة والشباب
القائمة الحالية للنشامى تضم 29 لاعباً بعد استدعاء العوضات، وتجمع بين أسماء صاحبت الإنجازات الأخيرة وأخرى تسعى إلى تثبيت حضورها في المرحلة المقبلة.
وتضم القائمة: يزيد أبو ليلى، عبدالله الفاخوري، أليك سمير، أحمد جعيدي، يزن العرب، عبدالله نصيب، محمد أبو النادي، سعد الروسان، هادي الحوراني، مهند أبو طه، إحسان حداد، أحمد عساف، أنس بدوي، نور الروابدة، نزار الرشدان، إبراهيم سعادة، يوسف قشي، عامر جاموس، محمود شوكت، يوسف أبو جلبوش، موسى التعمري، محمود مرضي، تامر بني عودة، أحمد عرسان، علي عزايزة، عودة الفاخوري، محمد أبو زريق، علي علوان، وأنس العوضات.
ويبرز في المجموعة عدد من الأسماء التي شكلت العمود الفقري للنشامى في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها التعمري، العرب، نصيب، الروابدة، الرشدان وحداد، إلى جانب علوان والعرسان.
وفي المقابل، يمنح الزاكي مساحة للاختبار أمام عدد من الوجوه التي يمكن أن تصبح جزءاً من مستقبل المنتخب.
أما في حراسة المرمى، فقد فتح المدرب المنافسة على المركز الأساسي، مؤكداً أن التدريبات والمباريات هي التي ستحدد الحارس الذي سيعتمد عليه، في وقت يشكل فيه وجود أليك سمير فرصة لمتابعته عن قرب.
وفي الخط الأمامي، يبقى غياب يزن النعيمات أحد أبرز الملفات، إذ أكد الزاكي أن الجهاز الفني يتابع تطورات إصابته بالتنسيق مع اللاعب والطاقم الطبي، من دون تحديد موعد دقيق لعودته.
ولهذا السبب جاء استدعاء أنس العوضات ليمنح الجهاز الفني خياراً إضافياً في الثلث الهجومي، خصوصاً أن الزاكي كان قد أشار إلى الحاجة للاعب يمتلك خصائص رأس الحربة، وإلى استمرار البحث عن الحل المناسب لهذا المركز.
أما محمود مرضي، فتبقى مشاركته أمام سوريا غير محسومة، وفق ما أوضحه الزاكي صباح أمس، على أن يتحدد موقفه النهائي وفق جاهزيته.
المنافس بعقل إسباني
في المقابل، يدخل المنتخب السوري المباراة بقيادة المدرب الإسباني خوسيه لانا، الذي يتولى المهمة منذ آب 2024 بعقد يمتد لثلاث سنوات.
لانا ليس غريباً عن المدرسة الكروية الإسبانية؛ فقد عمل في منتخبات الفئات العمرية الإسبانية، وقاد منتخب إسبانيا تحت 19 عاماً إلى لقب بطولة أوروبا عام 2024، قبل الانتقال إلى تدريب سوريا.
ويملك المدرب ميلاً واضحاً نحو 4-2-3-1 بحسب قواعد بيانات المدربين، مع قدرة على تغيير الرسم وفق ظروف المباراة.
واللافت في تجربة لانا مع سوريا أنه لم يكتفِ بالاعتماد على الأسلوب الدفاعي التقليدي، بل أظهر في بدايته رغبة في تقديم كرة أكثر هجومية، وكان من أبرز إنجازاته قيادة سوريا إلى لقب كأس القارات الودية عام 2024، بعد الفوز على موريشيوس ثم الهند، كما قاد المنتخب إلى التأهل لكأس آسيا 2027.
ومن نقاط القوة التي يمكن أن يعتمد عليها المنتخب السوري أمام النشامى، التنظيم والقدرة على اللعب الجماعي، إلى جانب وجود عناصر ذات خبرة دولية، وفي مقدمتها المهاجم عمر السومة الذي عاد إلى القائمة للمباراتين أمام الأردن وأوزبكستان.
أما نقطة الاختبار بالنسبة لسوريا، فستتمثل في مدى قدرتها على التعامل مع الضغط الأردني، خصوصاً عندما يحاول النشامى رفع إيقاع اللعب على الأطراف، واستغلال المساحات خلف الظهيرين، إضافة إلى كيفية تعامل الخط الخلفي السوري مع التحولات السريعة.
وبذلك ستكون مواجهة بين مدربين ينتميان إلى مدرستين مختلفتين نسبياً؛ الزاكي بخبرته الطويلة في الكرة المغربية والإفريقية، ولانا بخلفيته الإسبانية وعمله السابق في منظومة المنتخبات العمرية الإسبانية.
ذاكرة طويلة
تحمل مواجهة اليوم تاريخاً طويلاً بين المنتخبين، إذ سبق للنشامى مواجهة سوريا في 49 مباراة وفق السجل الموسع للمواجهات الذي يشمل المباريات الرسمية والودية.
وتشير الإحصائية إلى تفوق سوريا في عدد الانتصارات، بواقع 20 فوزاً مقابل 15 للأردن، فيما انتهت 14 مباراة بالتعادل، في سلسلة بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي.
وتبقى الخسارة السورية الأكبر أمام الأردن مرتبطة بذاكرة النشامى عندما فاز المنتخب الأردني 4-0 عام 1999، فيما شهدت المواجهات القديمة انتصارات سورية كبيرة، من بينها الفوز 6-1 عام 1957. وتختلف أرقام المواجهات بين قواعد البيانات بحسب اعتماد بعض المباريات القديمة وغير المصنفة ضمن مباريات «A» الدولية من عدمه.
أما آخر مواجهة بين المنتخبين فكانت في أيلول 2022، وانتهت بفوز النشامى 2-0 بعمان.
وهكذا تعود سوريا إلى القويسمة بعد أربع سنوات، فيما يتطلع النشامى إلى استثمار المناسبة لبناء انطلاقة جديدة.
من السلامي إلى الزاكي
وإذا كان السلامي قد نجح في قيادة النشامى إلى كأس العالم بعد سنوات من العمل المغربي المتواصل، فإن الزاكي يستلم المهمة وهو أمام معادلة مختلفة: الحفاظ على المنجز، وتطوير المنتخب، وفتح الباب أمام دماء جديدة، دون المساس بالهوية التي صنعتها المجموعة الحالية.
فالزاكي يعرف جيداً أن تغيير الجهاز الفني لا يعني بالضرورة تغيير كل شيء، لذلك جاءت قائمته الأولى محافظة إلى حد كبير على الهيكل الأساسي، مع إدخال أسماء جديدة وإعادة توزيع فرص المشاركة.
وكان المدرب قد أكد أن اختيار اللاعبين لم يعتمد على العمر، وإنما على المستوى الفني، وأن المنافسة بين الموجودين ستخلق حالة إيجابية داخل المنتخب.
وهذه الرسالة تبدو موجهة إلى الجميع، حيث لا مقعداً مضموناً، ولا اسم خارج الحسابات، والأفضلية لمن يقدم نفسه في التدريب والمباريات.
صورة أخرى للمشهد
وفي مشهد يعكس اتساع حضور الكرة الأردنية، يبرز أيضاً وجود عدد من اللاعبين الأردنيين في ألعاب كرة القدم الإلكترونية العالمية، ومن بينهم موسى التعمري ويزن العرب وإبراهيم صبرة وغيرهم بحسب قواعد بيانات EA FC وتحديثاتها.
وتظهر قواعد بيانات اللعبة موسى التعمري ويزن العرب ضمن لاعبي EA FC، مع ارتباطهما بأنديتهما، في حين تحضر أسماء أردنية أخرى وفق تحديثات اللعبة المختلفة.
وقد تبدو المسألة للوهلة الأولى بعيدة عن مباراة سوريا، لكنها في الواقع تعكس اتساع دائرة الاهتمام باللاعب الأردني، خصوصاً بعد الحضور المونديالي التاريخي للنشامى، وما رافقه من ارتفاع في قيمة اللاعبين وانتشار أسمائهم خارج المنطقة.
الاختبار الثاني
وبعد سوريا، لن يكون أمام الزاكي وقت طويل للراحة، إذ يواجه النشامى منتخب فنزويلا عند الثامنة مساء الثلاثاء 6 تشرين الأول.
والمباراة الثانية ستكون مهمة لأنها ستوفر للجهاز الفني فرصة لتجربة عناصر وأفكار مختلفة، وقياس قدرة المنتخب على التعامل مع منافس من مدرسة كروية أخرى، بعدما يمثل المنتخب السوري اختباراً عربياً وآسيوياً قريباً من طبيعة المنافسات القارية.
ويأتي ذلك ضمن خطة أعلنها اتحاد كرة القدم لإقامة سلسلة من المباريات الودية في عمّان خلال فترات التوقف الدولي، بهدف توفير أكبر قدر ممكن من الاستقرار للجهاز الفني ومنح الجماهير فرصة متابعة التحضيرات عن قرب.
وبحسب روزنامة فيفا، تمتد من النافذة الحالية حتى 6 تشرين الأول وتتيح للمنتخبات خوض عدد أكبر من المباريات، قبل نافذة تشرين الثاني من 9 إلى 17، ثم يدخل النشامى مباشرة في أجواء كأس آسيا مطلع العام المقبل.
الطريق إلى السعودية
الهدف النهائي لكل هذه التفاصيل واضح وهو كأس آسيا 2027.
النشامى سيكونون في المجموعة الثانية إلى جانب أوزبكستان والبحرين وكوريا الشمالية، ويبدأون المشوار أمام أوزبكستان في 8 كانون الثاني، ثم البحرين في 13 منه، قبل مواجهة كوريا الشمالية في 17 كانون الثاني.
وتقام المباراتان الأوليان في جدة على ستاد مدينة الملك عبدالله الرياضية، فيما تقام مواجهة كوريا الشمالية في الرياض على ستاد جامعة الإمام محمد بن سعود.
وتقام البطولة في السعودية من 7 كانون الثاني وحتى 5 شباط 2027، بمشاركة 24 منتخباً، وفي ثلاث مدن رئيسية هي الرياض وجدة والخبر.
وإذا كانت المشاركة السابقة قد صنعت للنشامى وصافة تاريخية للقارة، ثم جاء التأهل إلى كأس العالم ليؤكد أن المنتخب الأردني بات رقماً لا يمكن تجاوزه بسهولة، فإن سقف الطموح الجماهيري يرتفع اليوم بصورة طبيعية.
الحلم لم يعد مجرد المشاركة، ولا حتى الوصول إلى الأدوار المتقدمة، بل باتت الجماهير الأردنية تتطلع إلى المنافسة على اللقب الآسيوي، وتثبيت حضور النشامى ضمن نخبة منتخبات القارة، وصولاً إلى تحسين الموقع على سلم التصنيف الآسيوي والعالمي.
وهنا تحديداً تتضح قيمة المرحلة التي يبدأها الزاكي.
اليوم.. لن تكون النتيجة وحدها هي العنوان، فالفوز سيمنح الجماهير جرعة معنوية مهمة، والتعادل أو الخسارة لن يكونا حكماً نهائياً على تجربة لم تبدأ إلا قبل أيام، لأن القيمة الحقيقية للمباراة تكمن في ما سيظهر من شخصية، وتنظيم، وأفكار، وتجانس، وقدرة على استيعاب تعليمات المدرب الجديد.
الزاكي نفسه يدرك أن الوقت قصير، وأن كأس آسيا ليست بعيدة، ولهذا ستكون مباراة سوريا وفنزويلا بمثابة مختبر أولي لتحديد شكل المرحلة المقبلة.
ومن هنا، فإن صافرة البداية اليوم ستعلن أكثر من مباراة ودية؛ ستعلن بداية العد التنازلي لمرحلة جديدة، عنوانها النشامى، ووجهتها السعودية، وطموحها أن يبقى الأردن حاضراً بين كبار القارة، بعدما أصبح الوصول إلى القمة حلماً مشروعاً لجماهير لم تعد تكتفي بمجرد المشاركة.