يدخل مشروع الناقل الوطني للمياه مرحلة جديدة، ينتقل فيها التحدي من تأمين التمويل إلى اختبار القدرة على إدارة استثمار ضخم وتحويله إلى عائد مائي واقتصادي مستدام. فالمشروع، الذي تقدر كلفته بنحو 5.8 مليار دولار ويمتد تشغيله لـ26 عامًا، لا يرتبط بكميات المياه التي سيوفرها الأردن فحسب، بل بكلفة إنتاجها ونقلها، والتزامات تمويلها، وانعكاساتها على المالية العامة والقطاعات الاقتصادية.
وتتضح حساسية هذه المعادلة في مشروع يقوم على تحلية مياه البحر في العقبة ونقلها لمسافة تقارب 450 كيلومترًا، وبفارق ارتفاع يصل إلى نحو 1100 متر، ما يجعل كفاءة التشغيل وإدارة الطاقة والكلفة عوامل أساسية في تحديد أثره على الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.
التمويل.. ثقة دولية وتوزيع للمخاطر
وفي قراءة اقتصادية أعدتها «الرأي»، قال الخبير الاقتصادي الدكتور لؤي صالحية إن مشاركة مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية (DFC)، من خلال قرض يصل إلى مليار دولار وتأمين ضد المخاطر السياسية يصل إلى 800 مليون دولار، تحمل دلالة تتجاوز قيمة التمويل ذاته، باعتبارها تعزز ثقة مؤسسات التمويل والمستثمرين بقدرة المشروع على جذب تمويل طويل الأجل.
وأوضح أن وجود مؤسسة تمويل تنموي بهذا الحجم إلى جانب مؤسسات دولية أخرى يمكن أن يسهم في خفض المخاطر التي تدخل في قرارات التمويل والاستثمار، فيما يوفر تنوع مصادر التمويل بين المنح والقروض الميسرة والمساهمة الحكومية والتمويل الخاص توزيعًا أوسع للأعباء.
وأشار إلى أن الأثر المالي للتمويل لا يقاس بحجمه الاسمي فقط، وإنما بشروطه وآجاله وأسعار فائدته والضمانات المرتبطة به، إذ إن التمويل طويل الأجل يخفف الضغط المباشر على الموازنة، لكنه ينشئ التزامات مستقبلية ينبغي إدارتها ضمن القدرة المالية للدولة.
الكلفة.. الطاقة والتمويل في قلب المعادلة
ويرى صالحية أن الكلفة النهائية للمياه ستكون من أبرز محددات الاستدامة الاقتصادية للمشروع، لافتًا إلى أن الكلفة لا ترتبط بالتحلية وحدها، وإنما تشمل الطاقة اللازمة للتحلية والضخ، والتمويل والتشغيل والصيانة.
وتفرض طبيعة المشروع تحديًا إضافيًا، إذ ستُنقل المياه لمسافة طويلة وبفارق ارتفاع كبير، ما يجعل استهلاك الطاقة عنصرًا رئيسيًا في كلفة التشغيل. كما يمكن لشروط التمويل وأسعار الفائدة أن تؤثر في الكلفة على مدى سنوات التشغيل.
وفي هذا السياق، أوضح صالحية أن الفارق بين كلفة إنتاج ونقل المياه والإيرادات المتحققة قد يظهر في صورة دعم حكومي أو التزامات مالية أخرى، ما يجعل إدارة الكلفة عنصرًا مهمًا في تحديد حجم الأثر على المالية العامة والمستهلك.
الالتزام الحكومي.. الصورة المالية الكاملة
وفيما يتعلق بالمساهمة الحكومية البالغة نحو 722 مليون دولار، قال صالحية إن تعدد الجهات الممولة والشراكة مع القطاع الخاص يحدان من تركيز الكلفة الاستثمارية على الخزينة.
إلا أن تقييم الأثر المالي للمشروع، بحسبه، ينبغي ألا يتوقف عند قيمة المساهمة المباشرة، بل أن يشمل الالتزامات المستقبلية المرتبطة بشراء المياه والتشغيل والضمانات وأي دعم محتمل، إلى جانب خدمة التمويل، بما يوفر صورة أكثر شمولًا عن الكلفة التي قد تتحملها المالية العامة خلال عمر المشروع.
التنفيذ.. ضبط الوقت والكلفة
ولا تقل مخاطر التنفيذ أهمية عن هيكل التمويل، إذ يرى صالحية أن ضخامة المشروع وتعقيده الهندسي يفرضان إدارة دقيقة للبرنامج الزمني والكلف.
وأوضح أن أي تأخير يمكن أن يؤدي إلى زيادة كلف المواد والخدمات والتمويل، فضلًا عن تأخير وصول المياه المستهدفة وإطالة الاعتماد على مصادر وبدائل أخرى.
وأكد أهمية وضوح العقود وتوزيع المسؤوليات بين الأطراف، إلى جانب وجود آليات واضحة لضبط الكلف والتعامل مع الطوارئ، للحد من انتقال مخاطر الإنشاء إلى مرحلة التشغيل أو المالية العامة.
العائد الاقتصادي.. المياه كمدخل للنمو
وفي الجانب الآخر، يرى صالحية أن العائد الاقتصادي للناقل الوطني يتجاوز توفير مياه الشرب، إذ إن استقرار الإمدادات يمكن أن يدعم قطاعات تعتمد بصورة مباشرة على المياه، من الصناعة والسياحة إلى الزراعة المتقدمة والخدمات.
كما أن وجود مصدر مائي أكثر استقرارًا يمكن أن يعزز قدرة المستثمرين والقطاعات الاقتصادية على التخطيط والتوسع، ويخفف أحد القيود التي تواجه النشاط الاقتصادي في المملكة، إلى جانب تخفيف الضغط على المياه الجوفية والمصادر التقليدية.
ويظل حجم هذا العائد مرتبطًا بكفاءة التشغيل واستقرار التزويد وكلفة المياه، إذ إن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تتحدد بكمية المياه المنتجة فقط، وإنما بقدرته على توفيرها بصورة موثوقة ومستدامة.
مخاطر بيئية وإقليمية
ولا تنفصل الاعتبارات البيئية والإقليمية عن المشروع، إذ تحتاج عملية تصريف الرجيع الملحي الناتج عن التحلية إلى إدارة بيئية دقيقة، فيما قد تؤثر التطورات الإقليمية في سلاسل التوريد وكلف بعض المدخلات والاستثمارات.
ويرى صالحية أن التعامل مع هذه العوامل يجب أن يكون جزءًا من إدارة المشروع طوال فترة تشغيله، خصوصًا أن امتداد العقد لـ26 عامًا يعني تعرضه لمتغيرات اقتصادية ومالية وبيئية لا يمكن حسمها بالكامل عند مرحلة التعاقد.
ومع انتقال الناقل الوطني من مرحلة التمويل إلى التنفيذ والتشغيل، يبقى التحدي في تحويل هذا الاستثمار إلى مشروع قادر على أداء دوره بكفاءة واستدامة على مدى عقود. فالمعيار الحقيقي سيكون في حسن إدارة المشروع والتزاماته، وفي قدرته على أن يصبح جزءًا ثابتًا من منظومة الأمن المائي والاقتصادي للمملكة.