لا تقتصر دلالة موافقة مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأميركية «DFC» على تقديم قرض يصل إلى مليار دولار لمشروع الناقل الوطني، البالغة كلفته نحو 5.8 مليار دولار، على إضافة ممول جديد، بل تعكس مستوى من الثقة بقدرة المشروع والأردن على جذب تمويل طويل الأجل، خصوصاً مع توفير المؤسسة تأميناً ضد المخاطر السياسية يصل إلى 800 مليون دولار للمستثمرين.
في المقابل، يضع التمويل المشروع أمام اختبار اقتصادي رئيس يتمثل في ضبط كلفة المياه والسعر النهائي للمتر المكعب؛ فخفض الكلفة بمقدار 10 سنتات، مع إنتاج مستهدف يبلغ 300 مليون متر مكعب سنوياً، يعني توفير نحو 30 مليون دولار سنوياً عند بلوغ كامل الطاقة الإنتاجية.
ويمتد تشغيل المشروع على مدى 26 عاماً، ويتضمن تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها لمسافة تقارب 450 كيلومتراً، مع فرق ارتفاع يصل إلى نحو 1100 متر.
وأكد مستشار وزير المياه والري المهندس إبراهيم حياصات لـ «$» أن دخول مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأميركية يعكس الثقة بقدرة المشروع والأردن على الوفاء بالتزاماته التمويلية، بعد إخضاع المشروع لدراسات مالية وبيئية واجتماعية ومؤسسية.
وأوضح أن المؤسسة ستوفر قرضاً يصل إلى مليار دولار، إلى جانب تأمين سياسي بقيمة تصل إلى 800 مليون دولار للمستثمرين، ما يسهم في تقليل المخاطر غير التجارية وتعزيز القدرة على استقطاب تمويل إضافي.
وقال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد الحدب السرحان إن مبلغ 800 مليون دولار يمثل تغطية تأمينية وليس تمويلاً نقدياً إضافياً، مشيراً إلى أن هذه التغطية يمكن أن تنعكس على تكلفة التمويل وشروطه، وتساعد في جذب تمويل طويل الأجل للمشروع.
وتبلغ مساهمة الحكومة الأردنية نحو 722 مليون دولار، أي ما نسبته 12.4 بالمئة من الكلفة الإجمالية. وأوضح السرحان أن ذلك لا يعني بالضرورة تحول كامل كلفة المشروع إلى دين مباشر على الخزينة، إذ يرتبط العبء الفعلي بالمدفوعات السنوية والالتزامات المستقبلية، بما فيها كلفة شراء المياه وأي دعم أو ضمانات تعاقدية.
وينفذ المشروع وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذ يتولى ائتلاف المستثمرين التصميم والتطوير والبناء والتشغيل والصيانة، قبل انتقال الملكية إلى الحكومة.
ترتبط الاستدامة المالية للمشروع بالسعر النهائي للمتر المكعب، الذي يتأثر بمساهمة الحكومة وقدرتها على توفير منح أو قروض ميسرة تقلل الاعتماد على التمويل التجاري الأعلى كلفة.
كما تتأثر كلفة التشغيل بعوامل عدة، في مقدمتها التحلية والنقل والطاقة والضخ والصيانة والتضخم وتكاليف التمويل، فيما يتطلب المشروع كميات كبيرة من الطاقة، خصوصاً لنقل المياه لمسافات طويلة ورفعها إلى ارتفاعات كبيرة.
وتشكل كفاءة الطاقة وتصميم الشبكات والمحطات القادرة على تحمل الضغوط العالية عوامل أساسية في ضبط الكلفة، فيما يتضمن المشروع حقولاً للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 300 ميغاواط، لتغطية نحو 30 بالمئة من احتياجاته، بما يخفف كلفة التشغيل ويحد من التعرض لتقلبات أسعار الطاقة.
ويبرز التعامل مع الرجيع الملحي الناتج عن التحلية بالتناضح العكسي كأحد الملفات البيئية الرئيسية في المشروع.
وأوضح حياصات أن المحطة تنتج تقريباً نصف الكمية الداخلة إليها كمياه محلاة، فيما تعاد الكمية الأخرى إلى البحر بملوحة مرتفعة؛ ما يعني أن إنتاج 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يتطلب سحب نحو 600 مليون متر مكعب من مياه البحر.
وأشار إلى أن الآثار البيئية لتصريف الرجيع الملحي خضعت للدراسة ضمن متطلبات الجهات التمويلية، مع اعتماد إجراءات للحد من المخاطر وحماية البيئة البحرية.
من المتوقع أن يوفر الناقل الوطني نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، بما يعادل قرابة 40 بالمئة من احتياجات الأردن من مياه الشرب.
ويرى حياصات أن المشروع سيحدث تحولاً مهماً في الأمن المائي، لكنه لن ينهي الفجوة المائية نهائياً. ووفق الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023- 2040، سيسهم دخول المياه إلى الخدمة قرابة عام 2030 في تغطية الفجوة لفترة مؤقتة، قبل اتساعها مجدداً بعد عام 2035 بفعل النمو السكاني وارتفاع الطلب.
وعليه، سيبقى المشروع جزءاً من منظومة مائية أوسع تشمل خفض الفاقد، وإدارة الطلب، وحماية المياه الجوفية، وتطوير مصادر إضافية للمياه.
اقتصادياً، لا يقتصر عائد المشروع على إنتاج المياه وبيعها، إذ يوفر استقرار الإمدادات أساساً للتخطيط والاستثمار في قطاعات الصناعة والسياحة والصحة والعقار.
غير أن تحقيق هذا العائد يتطلب إدارة كفؤة للمياه بعد إنتاجها؛ ففقدان كميات كبيرة من المياه المحلاة والمنقولة لمسافات طويلة يضاعف الخسارة بسبب ارتفاع كلفة إنتاجها ونقلها.
ومن هنا، فإن نجاح الناقل الوطني سيقاس بقدرته على تشغيل المشروع بكفاءة، والحفاظ على كلفة مستدامة للمتر المكعب، وخفض الفاقد، وتقليل الضغط على المياه الجوفية.
ومع اقتراب المشروع من استكمال هيكل تمويله، يبقى الاختبار الحقيقي في مرحلة ما بعد التمويل: إنتاج ونقل الكمية المستهدفة بكلفة مستدامة، وإدارة المياه بكفاءة، وتحويل المشروع إلى ركيزة طويلة الأمد للأمن المائي والاقتصادي.