الور: 3 مسارات للحماية.. تطبيق القانون والدعم وتقليل الوصول إلى التبغ
كانت رائحة الدخان الصادرة من جهة غرفة ابنها المراهق، الذي لم يتردد في إغلاق الباب عليه من الداخل، هي أول ما لفت انتباه «أم جميل» في ذلك اليوم.
طرقت الباب وحاولت فتحه، لكن ابنها تأخر في الاستجابة. وبعد لحظات، فتح الباب وخرج، فيما بقيت رائحة الدخان واضحة في الغرفة. لم تحتج «أم جميل» إلى كثير من الأسئلة لتعرف ما حدث.
أخبرته بوضوح أنها غاضبة مما فعل، لكن غضبها لم يكن وحده حاضرا في تلك اللحظة؛ كان هناك أيضا خوف وحيرة بشأن ما ينبغي أن تفعله بعد ذلك.
كان أفراد الأسرة جميعهم في المنزل، ومع ذلك اختارت ألا تخبر أحدا بما اكتشفته. حاولت أن تعاقب ابنها، ربما لأنها شعرت أن الأمر لا يتعلق بالتدخين وحده، وإنما بالثقة التي منحتها له وشعورها بأنه أخفى عنها شيئا.
وبينما كانت تحاول أن تفهم كيف وصل ابنها إلى التدخين، عادت إلى نقاشات قديمة كانت تجري بينها وبين والده حول المصروف، إذ كانت تميل إلى إعطائه ما يكفي من المال لينفق على حاجاته، بينما كان والده أكثر تشددا، ويخشى أن يؤدي المال الكثير إلى دفعه نحو سلوكيات يرفضها.
واليوم، وبعد أن هدأت تلك المواجهة، ما تزال «أم جميل» تعود إلى السؤال نفسه: هل كان عليها أن تخبر والده منذ البداية؟ وهل كان تدخله سيساعد ابنها على التوقف، أم كان سيجعل الأمر أكثر صعوبة ويدفعه إلى إخفاء ما يفعله عنها؟
قصة أم جميل ليست حالة معزولة، فقد أظهر المسح الوطني لاستخدام التبغ بين البالغين في الأردن لعام 2025 أن 38.6% من المدخنين بدأوا التدخين قبل سن 18 عاما، ما يضع الأسرة والمدرسة والبيئة المحيطة بالمراهق أمام مسؤولية أكبر في الوقاية والتدخل المبكر.
في هذا السياق، ترى الدكتورة لاريسا الور، العضو المؤسس في جمعية «لا للتدخين»، أن اللحظة التي يكتشف فيها الأهل تدخين أبنائهم تحتاج إلى تعامل واضح ومتوازن، يبدأ برفض السلوك من دون تحويل المواجهة إلى عقاب فقط.
وتحذر الور في تصريح لـ«الرأي» من أن بعض العبارات التي يستخدمها الأهل، مثل «يدخّن أمامي أفضل من ورائي»، قد تُفهم من المراهق باعتبارها نوعا من القبول أو التساهل مع التدخين، وهو غير مقبول بتاتا.
وتلفت إلى تناقض آخر يحدث داخل بعض الأسر، عندما يطلب الأهل من المراهق التوقف عن التدخين في الوقت الذي يستمر فيه التدخين داخل المنزل، فالتعرض للتدخين غير المباشر، وفق ما تشير إليه، قد يعزز الرغبة في النيكوتين، ولذلك فإن الخطوة الأولى ينبغي أن تكون جعل المنزل والسيارة والأماكن التي يوجد فيها المراهق خالية من التدخين.
وترى أن الحديث مع المراهق يجب أن يركز أيضا على الآثار التي يستطيع فهمها في حياته اليومية، وليس فقط على مخاطر بعيدة مثل الإصابة بالسرطان. فالتدخين والاعتماد على النيكوتين يمكن أن يرتبطا بمشكلات في التركيز والنوم والأداء المدرسي والتعلم، كما يمكن أن تؤثر تغيرات مستوى النيكوتين في المزاج والانفعال، فضلا عن أنها تزيد خطر الادمان على المخدرات والكحول.
وتوضح الور أن المراهق في هذه المرحلة العمرية يكون أكثر اندفاعا وتأثرا بالعاطفة، في وقت لا يكون فيه الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار وتقدير العواقب قد اكتمل نموه بصورة كاملة؛ لذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى الاحتواء والتوجيه والمتابعة، إلى جانب وضع حدود واضحة للسلوك.
وتشدد على أهمية عدم ترك المراهق وحيدا في المنزل، داعية الأسرة إلى إشراكه في أنشطة مثل المشي والرياضة والألعاب الجماعية وقضاء الوقت مع أفراد الأسرة، بما يساعد على تحفيز «الدوبامين» وتحسين المزاج، إلى جانب توفير الإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي، والاستفادة من دور المدرسة في تقديم المشورة مع مراعاة خصوصية الطالب.
وفيما يتعلق بإبلاغ الأب، تقول الور إن لكل أسرة خصوصيتها، وإن القرار يعتمد على طبيعة العلاقة داخل الأسرة وعلى طريقة تعامل الأب مع ابنه. موضحة أنه إذا كان الطفل يخاف من والده أكثر من والدته أو يحسب له حسابا أكبر، فقد يكون له دور مهم في مساعدته على الإقلاع، خصوصا إذا كان متعاونا وقادرا على فتح قنوات تواصل مع ابنه.
وتضيف أن الأب المدخن يمكن أن يعترف لابنه بأنه أخطأ عندما بدأ التدخين، وأن يقترح عليه الإقلاع معا، فيما يستطيع الأب غير المدخن أن يقدم نموذجا مختلفا، بالقول لابنه إنه استطاع مقاومة التدخين وأن الرجولة يمكن أن تكون في القدرة على السير عكس التيار.
في المقابل، حذرت من إشراك الأب إذا كان معروفا بالمعاقبة الشديدة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكدة أن القرار يجب أن يراعي خصوصية كل أسرة.
وتشير إلى أن وجود عواقب واضحة أمام بقية الإخوة عندما يقع أحد أفراد الأسرة في هذه المشكلة قد يشكل رادعا لهم أيضا.
ولا تقتصر المسؤولية على الأسرة؛ فقانون الصحة العامة رقم (74) لسنة 2008 وتعديلاته يحظر بيع منتجات التبغ لمن تقل أعمارهم عن 18 عاما، ويمنع بيع السجائر بالتجزئة، كما يحظر عرض منتجات التبغ إلا وفق أحكام النظام الخاص بذلك. ويقرر القانون عقوبات على بيع منتجات التبغ لمن هم دون 18 عاما، وعلى مخالفة أحكام عرضها.
وتحظر الأسس الخاصة بمنتجات التبغ والنيكوتين بما فيها الإلكترونية لسنة 2019 بيع منتجات التبغ والنيكوتين لمن تقل أعمارهم عن 19 عاما، مع اشتراط التحقق من هوية المشتري وفق أحكامها.
كما صدرت في نهاية عام 2025 تعليمات معدلة لتنظيم عرض منتجات التبغ في أماكن البيع، ألزمت المنشآت بوضع المنتجات في وحدات عرض مغلقة وغير ظاهرة للعيان وفي متناول البائع فقط، ومنعت وضع الكتابات أو الصور أو الشعارات الخاصة بمنتجات التبغ داخل وحدات العرض، مع إلزام البائع بالتحقق من عمر المشتري من خلال وثيقة رسمية.
وحددت التعليمات كذلك مسافة لا تقل عن 250 مترا سيرا على الأقدام بين أماكن بيع منتجات التبغ والمؤسسات، بما فيها المؤسسات التعليمية والصحية.
وترى الور أن تطبيق هذه الأحكام يحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية، خصوصا في المناطق المحيطة بالمدارس، وأن على الأسرة أن تعرف مصدر حصول أبنائها على منتجات التبغ أو النيكوتين، وأن تبلغ عن نقاط البيع التي تبيعها للقاصرين، وبإمكانها تقديم شكوى إلى وزارة الصحة بشأن المحل عبر تطبيق «بخدمتكم».
وتختتم الور بدعوتها إلى التعامل مع حماية المراهقين من التدخين ضمن ثلاثة مسارات متوازية: تطبيق القانون، وتقليل سهولة الوصول إلى منتجات التبغ والنيكوتين وجاذبيتها، وتوفير الدعم والمساعدة للمراهقين الذين بدأوا بالفعل باستخدامها.