القيم في خطاب الملك.. المبادئ إطاراً للسياسة وموقفاً في مواجهة الأزمات

تاريخ النشر : الأربعاء 11:44 23-9-2026
د. خالد الشقران

جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين حاملا رؤية سياسية واضحة لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة والعالم، وللمرجعية التي ينبغي أن تحكم التعامل مع أزماتها، حيث وضع جلالة الملك القيم في صميم رؤيته للواقع الدولي، وربط بين العدالة والكرامة الإنسانية وسيادة القانون والسلام والحوار والثبات والمسؤولية، باعتبارها عناصر أساسية في بناء المواقف السياسية وحماية مصالح الدول وصيانة أمن الشعوب، ومن هذه الزاوية، يعكس الخطاب رؤية أردنية تقوم على وضوح المبادئ ومرونة الأدوات، وعلى قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات من دون فقدان ثوابتها.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من طبيعة المرحلة الدولية التي جاء فيها الخطاب، حيث تتسارع الأزمات وتتعدد ساحاتها، وتتغير أولويات الاهتمام العالمي من أزمة إلى أخرى، ولهذا بدأ جلالة الملك من مفهوم «الانتباه»، مقدما إياه باعتباره موردا سياسيا وأخلاقيا له أثر مباشر في مسار الأزمات، فما يمنحه المجتمع الدولي اهتمامه يحدد القضايا التي تحصل على جهد دبلوماسي مستمر، والقضايا التي تتراجع إلى هامش الأولويات، ومن هنا يرتبط الانتباه بالمسؤولية، لأن استمرار الاهتمام بالأزمة يمثل شرطا للوصول إلى حلها، بينما يؤدي غياب التركيز الدولي إلى منح الوقائع التي تفرض على الأرض فرصة للتحول إلى حقائق مستقرة.

ومن هذا المدخل انتقل الخطاب إلى القضية الفلسطينية باعتبارها المثال الأوضح على نتائج غياب الانتباه المستدام، فقد أكد جلالة الملك أن المجتمع الدولي تعامل على مدى عقود مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بمنطق احتواء الأزمة، بينما بقيت جذورها السياسية والقانونية والإنسانية دون معالجة حاسمة، وحين يجري التعامل مع الانتهاكات المتكررة باعتبارها وقائع مؤقتة، فإنها تتحول مع الوقت إلى واقع دائم، وتصبح الاستثناءات نهجا مستقرا، وهنا تأخذ العدالة بعدا عمليا في الخطاب، لأن حماية العدالة تحتاج إلى اهتمام مستمر وإرادة سياسية قادرة على منع تحولها إلى شعار منفصل عن الواقع.

وفي قلب هذه الرؤية يأتي القانون الدولي باعتباره أحد الاختبارات الأساسية لصدقية النظام الدولي، فالسؤال الذي طرحه جلالة الملك حول قيمة القانون عندما تستمر الانتهاكات لعقود يرتبط مباشرة بالعلاقة بين القاعدة والتطبيق، فالقانون الدولي يحتاج إلى تطبيق فعلي حتى يحتفظ بقدرته على بناء الثقة بين الدول، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الدولية، وترسيخ الثقة بأن الاتفاقيات والالتزامات تملك قوة عملية على أرض الواقع، وعندما تتراجع هذه الثقة، تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسة السياسية، ويصبح التعاون الدولي أكثر صعوبة.

ويكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في معالجة القضية الفلسطينية، حيث وضع جلالة الملك القضية ضمن إطار الحقوق والعدالة والقانون، بعيدا عن محاولات تقديمها باعتبارها صراعا دينيا، فالفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، أصحاب حقوق وكرامة وحق في تقرير المصير، وهو ما يجعل جوهر القضية مرتبطا بمبدأ المساواة في الحقوق واحترام القانون الدولي، ومن هنا تصبح العدالة معيارا عاما يرتبط بحقوق الإنسان وكرامته، وتصبح حماية هذه الحقوق مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي تجاه الشعوب كافة.

وعلى هذا الأساس، يتصل السلام في الخطاب بمفهوم سياسي متكامل يقوم على الحوار والحقوق والمرجعية القانونية والإرادة السياسية القادرة على معالجة أسباب النزاع، ويقدم الأردن نفسه في هذا السياق بوصفه دولة متمسكة بالدبلوماسية، منفتحة على الحوار، ومستعدة للعمل مع مختلف الأطراف التي تسعى إلى السلام، مع الحفاظ على ثوابتها ومصالحها الوطنية، ولذلك جاءت رسالة جلالة الملك واضحة في تأكيد أن تمسك الأردن بالدبلوماسية ينبغي أن لا يفسر على أنه ضعف، لأن الدبلوماسية في الرؤية الأردنية أداة لحماية المصالح وإدارة الخلافات وفتح المسارات السياسية.

ومن هنا تظهر قيمة الثبات التي شكلت أحد المحاور الأساسية في الخطاب، فالأردن، كما قدمه جلالة الملك، يسعى إلى بناء نموذج يقوم على القيم والمبادئ ويتصف بالانفتاح والثبات في مرحلة تتبدل فيها الحسابات السياسية بسرعة، بيد أن الثبات هنا يعني الحفاظ على مرجعية واضحة للموقف مع تطوير الأدوات التي تمكن الدولة من التعامل مع المتغيرات، فالانفتاح يوسع مساحة الحوار والشراكات، والثبات يحافظ على وضوح الاتجاه، واجتماعهما يمنح السياسة قدرة أكبر على الحركة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

وترتبط هذه المنظومة مباشرة بمفهوم المسؤولية الوطنية، فالخطاب يطرح رؤية لإدارة الدولة في ظروف الأزمات تقوم على التعامل مع المخاطر الآنية والاستمرار في بناء المستقبل في الوقت ذاته، ويؤكد جلالة الملك أن الأردن يمضي في المسارين معا، فيعزز دوره في التجارة والصناعة والتكنولوجيا، ويواجه الأزمات الإنسانية، ويطور قدراته الدفاعية، ويتصدى للتهديدات الأمنية والإرهاب وتهريب المخدرات. وهذه المعادلة تعكس فهما للأمن باعتباره منظومة متكاملة ترتبط بالاقتصاد والتنمية والقدرة الدفاعية والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يحدد الخطاب بوضوح حدود المصالح الوطنية الأردنية، خصوصا فيما يتعلق بالحدود والمياه، حيث أكد جلالة الملك أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي يمثل تهديدا للأمن القومي الأردني، وأن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، وتوضح هذه الرسالة أن الانفتاح الدبلوماسي يرتبط بحماية المصالح الوطنية، وأن الالتزام بالسلام يرافقه حق الدولة في حماية أمنها وسيادتها ومصادرها الحيوية.

وتكتمل هذه الصورة من خلال حضور قيمة التعددية الدينية في الخطاب، حيث يربط جلالة الملك بين حماية المسيحية ومجتمعاتها وإرثها التاريخي وبين الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية، وتكتسب هذه الرؤية بعدا خاصا في سياق الحديث عن القدس، مع تأكيد استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبذلك تصبح حماية التعددية الدينية جزءا من رؤية أوسع للاستقرار الإقليمي، تقوم على احترام التنوع والحفاظ على الموروث الحضاري والديني للمنطقة.

وفي مقابل التركيز على القوة العسكرية في إدارة الصراعات، يطرح الخطاب رؤية متكاملة لمصادر الاستقرار، لا سيما وأن لقوة تستطيع أداء وظائف أمنية محددة، لكنها لا تعالج الجوع، ولا تعيد المهجرين إلى ديارهم، ولا تبني السلام، ولا تدير قضايا المناخ والهجرة والتطور التكنولوجي. ولذلك يحتاج العالم إلى مؤسسات شرعية، وقانون فعال، وحوار سياسي، وثقة متبادلة، وتعاون دولي، ومن هنا تأتي أهمية الجمع في الخطاب بين تطوير القدرات الدفاعية والاستمرار في العمل الدبلوماسي والإنساني، بما يعكس توازنا بين متطلبات الأمن وضرورات السلام.

وتظل القضية الفلسطينية المجال الأوضح الذي تتقاطع فيه هذه القيم، فالعدالة ترتبط بحقوق الفلسطينيين، والقانون الدولي يرتبط بحماية هذه الحقوق، والسلام يرتبط بإيجاد حل سياسي عادل، والثبات يرتبط باستمرار الأردن في دعم صمود الفلسطينيين ودعم الأونروا، فيما ترتبط المسؤولية التاريخية والدينية بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، كما أن ربط غزة والضفة الغربية ضمن رؤية واحدة يؤكد أن معالجة القضية تحتاج إلى مسار سياسي شامل يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.

ومن خلال هذه المنظومة، يقدم الخطاب صورة واضحة لموقع الأردن في الإقليم والعالم، خاصة وأن الأردن دولة تؤمن بالدبلوماسية والحوار، وتحافظ على علاقاتها الدولية، وتتمسك في الوقت ذاته بثوابتها ومصالحها الوطنية، وهو ما يفسر تأكيد جلالة الملك أن الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه، وفي لمبادئه، ملتزم بمواقفه، ومستعد للحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، وتمنح هذه الصورة الثبات السياسي قيمة ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على بناء الثقة مع شركائها، لأن وضوح المواقف واستمراريتها يمثلان أساسا مهما للعلاقات الدولية.

وهنا تظهر «الثقة» باعتبارها القيمة التي تجمع مختلف عناصر الخطاب، حيث يحتاج القانون إلى ثقة بتطبيقه، فيما تحتاج الاتفاقيات إلى ثقة بالالتزام بها، كما تحتاج المؤسسات الدولية إلى شرعية تحظى بثقة الدول والشعوب، ويحتاج السلام إلى ثقة الأطراف بقدرة المسار السياسي على إنتاج نتائج عادلة، ولهذا ربط جلالة الملك بين انهيار الثقة وتصاعد صعوبة التحديات، وبين الحفاظ عليها وإمكانية التعاون.

ومن هذه الزاوية، يقدم خطاب جلالة الملك قراءة سياسية للقيم باعتبارها جزءا من قوة الدولة ومصداقيتها، فالعدالة تمنح الموقف أساسه الأخلاقي والقانوني، والدبلوماسية توفر أدوات التحرك، والثبات يحافظ على وضوح الاتجاه، والانفتاح يوسع فرص التعاون، والمسؤولية تربط السياسة بأمن الإنسان ومستقبله، والثقة تمنح هذه المنظومة قدرة أكبر على التأثير.

وتكمن أهمية الخطاب في وضع هذه القيم ضمن سياق سياسي واقعي؛ فالأردن يتحرك في منطقة تكثر فيها الحروب وتتشابك فيها قضايا أمن الحدود والمياه والطاقة والتجارة والهجرة، ويتعامل مع أزمات تتطلب استجابة سريعة، وفي الوقت ذاته يحافظ على مسار بناء الدولة وتعزيز قدراتها، لذلك يأتي الحديث عن القيم في الخطاب مرتبطا بالمصالح الوطنية، ويقدمها باعتبارها إطارا لإدارة هذه المصالح وحمايتها.

الرسالة الأعمق في خطاب جلالة الملك جاءت من خلال التأكيد على أن المبادئ تحتاج إلى ممارسة تحمي معناها، وأن القانون يحتاج إلى إنفاذ، والعدالة تحتاج إلى حماية، والسلام يحتاج إلى إرادة سياسية، والدبلوماسية تحتاج إلى ثبات، والثقة تحتاج إلى التزام، ومن هنا تصبح القيم إطارا للسياسة ومصدرا من مصادر القوة السياسية للدولة.

في الخلاصة يمكن القول إنه عندما يضع جلالة الملك في ختام خطابه مسؤولية المستقبل في ميزان ما يختار العالم أن يمنحه اهتمامه وما يقرر أن يتجاهله، فإنه يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة، فالأزمات التي تستمر ليست نتاج ما يحدث على الأرض وحده، وإنما نتيجة للمواقف التي تتخذها الدول تجاهها، وللقضايا التي تحظى باهتمامها، وتلك التي تتركها خارج دائرة الفعل الدولي. ومن هنا تتحول القيم من مبادئ معلنة إلى مواقف وسياسات، ويصبح الثبات عليها تعبيرا عن قوة الدولة ووضوح رؤيتها، وتصبح حمايتها مسؤولية ترتبط بأمن الشعوب وحقوقها ومستقبلها، ولأن احترام القانون، وحماية العدالة، والدفاع عن الإنسان، والسعي إلى السلام، تحتاج إلى إرادة سياسية تحميها من التراجع أمام تبدل الحسابات، فإن مستقبل النظام الدولي سيبقى مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة تحكم سلوكه وتحدد مواقفه.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }