لم يكن اختيار "الانتباه" مدخلًا عابرًا في الخطاب؛ فقد ربطه الملك بكيفية تعامل المجتمع الدولي مع النزاعات الممتدة، موضحًا أن بعض الأزمات تحظى بجهد دبلوماسي مستدام، بينما تتراجع أزمات أخرى إلى هامش جدول الأعمال مع تغير اهتمام الرأي العام والإعلام الدولي. وفي مقدمة هذه الأزمات سلوك حكومة نتنياهو المتطرف في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث اعتبر جلالته أنَّ ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه إجراءات عسكرية مؤقتة، بل اعتبره محاولة لفرض واقع جديد على الأرض ومحو الوجود الفلسطيني، وركز الخطاب على الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والعنف ضد الفلسطينيين، والنزوح، وقدم الملك تفسيرًا مفاده أن هذه التطورات تشكل جزءًا من مسار يهدف إلى جعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة، ومن الأزمات التي يغض المجتمع الدولي نظره عنها ولا تلقى أي اهتمام هي أزمة التوسع الإسرائيلي في سوريا والإعتداءات المتكررة على البلدات والمناطق المحاذية. كما عرض جلالته مجموعة من الأزمات الدولية والإنسانية التي بات المجتمع الدولي لا يلتفت لها بالسوية ذاتها وفي مقدمتها التفاوت الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي، وتغير المناخ، بوصفها تحديات لم تظهر بصورة مفاجئة، وإنما سبقتها تحذيرات لم تستمر الاستجابة لها بالقدر الكافي.
إنَّ تركيز الملك على أن تراجع الاهتمام الدولي، أو عدم استمرار الاهتمام، يمكن أن يسمح للأزمات بأن تتحول من حالات مؤقتة إلى وقائع دائمة، كان أبرز ما يجعل خطاب هذا العام مختلفًا في بنيته، فجلالته لم يكتفِ بتناول الأزمات باعتبارها ملفات منفصلة؛ بل ضرورة ربطها بقضية تحيز الانتباه لدى المجتمع الدولي.
إن خطاب الملك عبدالله الثاني كما هي العادة هو خطاب العقل والحكمة، والرؤية المتزنة والإنسانية لقضايا المنطقة والعالم أجمع، بما يقدمه من طروحات متوازنة وشفافة، وعلى المجتمع الدولي أن يعيد النظر في سياسته، وتعاطيه مع جميع الأزمات الدولية، وخاصة الأزمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، حيث يتضح للجميع التغاضي وإشاحة النظر عن السياسات والممارسات التي تتخذها إسرائيل، والقائمة على الاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وسلبهم أبسط حقوقهم في العيش بكرامة، من خلال القتل والتهديد وتوسيع الاستيطان، ولعل من أكثر صور التمادي والعنجهية الإسرائيلية التي يغفل عنها العالم أيضاً؛ نقل إسرائيل هذه السياسات والممارسات إلى الأراضي السورية، رغم أنَّ سوريا هي إحدى الدول في الأمم المتحدة، وذات شرعية واستقلال يعترف به العالم أجمع.
لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء الأزمات التي بات عدم الانتباه إليها يجعلها أكثر عمقاً وتعقيداً، وكذلك دور المؤسسات الدولية المعنية بالعمل على حل هذه الأزمات، حيث تتراجع أدوارها وتضعف، بينما بناء السلام والاستقرار يتطلب استمرار الاهتمام، وفاعلية المؤسسات الدولية، وتطبيق القواعد التي ينادي بها المجتمع الدولي على نحو متسق.