يأتي مشروع قانون معدل لقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2026 في إطار تطوير المنظومة التشريعية الأردنية لمواجهة تطور الجرائم المالية وأساليب ارتكابها، وتعزيز الأطر القانونية والرقابية المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وكان مجلس الوزراء وافق في 17 أيلول الحالي على الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل، بهدف مواكبة التطورات في المعايير والممارسات الدولية، وتعزيز كفاءة المنظومة التشريعية والرقابية ذات الصلة.
وقال المحامي أيمن سعد بني نصر الخطاطبة إن التعديل لا يأتي لإنشاء منظومة جديدة لمكافحة غسل الأموال، وإنما لتطوير المنظومة القائمة وسد الثغرات ومواكبة الأنماط الحديثة للجرائم المالية.
وأوضح أن أهمية التعديل تتمثل في تعزيز قدرة الجهات المختصة على الكشف عن العمليات المالية المشبوهة وتتبع الأموال المتحصلة من الجرائم، إلى جانب تعزيز التعاون وتبادل المعلومات في الجرائم ذات الطبيعة العابرة للحدود.
وأضاف أن مكافحة غسل الأموال ترتبط بمجموعة واسعة من الجرائم الأصلية، ومنها الفساد والاحتيال والتهرب الضريبي والاتجار بالمخدرات والجرائم المنظمة وتمويل الإرهاب، ما يجعل تتبع العائدات المالية لهذه الجرائم جزءًا أساسيًا من منظومة المكافحة.
وبيّن الخطاطبة أن الطبيعة العابرة للحدود للجرائم المالية تفرض على التشريعات الوطنية مواكبة التطورات الدولية، خصوصًا مع سرعة انتقال الأموال عبر الأنظمة المالية والإلكترونية، مشيرًا إلى أن تحديث التشريع يعزز قدرة الجهات الرقابية والتنفيذية على التعامل مع المخاطر والتعاون مع الجهات النظيرة في الدول الأخرى.
وأشار إلى أن تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي يأتي كذلك في سياق استعداد الأردن لجولة التقييم المتبادل في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، مؤكدًا أن الهدف لا يقتصر على الاستجابة لمتطلبات التقييم الدولي، وإنما يمتد إلى حماية سلامة النظام المالي والاقتصاد الوطني ومنع استخدام المؤسسات المالية والاقتصادية لإخفاء الأموال غير المشروعة أو تمريرها.
وفي الجانب الاقتصادي، قال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان إن تعديل القانون يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من حماية البنية المالية للاقتصاد الأردني، وليس مجرد إجراء رقابي أو قانوني، خصوصًا في ظل ارتباط الاقتصاد الأردني بالتجارة والاستثمار والتحويلات والقطاع المصرفي.
وأوضح أن قوة منظومة مكافحة غسل الأموال ترتبط بثقة المؤسسات المالية والمستثمرين الدوليين بسلامة البيئة المالية، لافتًا إلى أن الأردن حقق تقدمًا في تطوير منظومته لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأُخرج في تشرين الأول 2023 من قائمة الدول الخاضعة للرقابة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي «FATF».
وبحسب السرحان، فإن تحديث التشريع يمثل استمرارًا لمسار تطوير المنظومة المالية، خصوصًا أن تدفقات الأموال المشروعة إلى المملكة تشكل عنصرًا مهمًا في الاقتصاد الوطني؛ إذ بلغت حوالات العاملين الواردة إلى المملكة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي نحو 2.97 مليار دولار، فيما بلغت الحوالات الصادرة للعاملين غير الأردنيين نحو 1.14 مليار دولار خلال الفترة ذاتها، وفق بيانات البنك المركزي الأردني.
وأشار إلى أن اتساع حركة الأموال والاستثمارات يجعل وجود نظام فعال لمكافحة غسل الأموال أمرًا مهمًا للحفاظ على سلامة القنوات المالية وتقليل المخاطر المرتبطة بالمعاملات العابرة للحدود.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات وزارة الاستثمار ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن بنسبة 27.7 بالمئة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، ليصل إلى نحو 1.52 مليار دولار.
وبيّن السرحان أن المستثمر الدولي لا ينظر فقط إلى الحوافز وكلفة التشغيل، وإنما يهتم كذلك بسلامة النظام المالي ووضوح الملكية والمستفيد الحقيقي ومستوى الرقابة وإدارة المخاطر، الأمر الذي يجعل قوة منظومة مكافحة غسل الأموال جزءًا من بيئة الاستثمار.
وأضاف أن حماية العلاقات المصرفية مع المؤسسات المالية الخارجية تمثل جانبًا آخر من أهمية التحديث، موضحًا أن قوة القطاع المصرفي لا ترتبط فقط بمؤشرات الملاءة والسيولة، وإنما كذلك بجودة أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر.
وتشير البيانات المصرفية المتاحة إلى متانة مؤشرات القطاع المصرفي؛ إذ بلغ معدل كفاية رأس المال نحو 18 بالمئة، فيما بلغت نسبة السيولة القانونية 142.4 بالمئة وفق بيانات منشورة عن القطاع المصرفي.
ولفت السرحان إلى أن التحدي لا يتمثل في زيادة الإجراءات الرقابية بقدر ما يتعلق برفع جودة الرقابة وتطبيق نهج قائم على المخاطر، بحيث تتركز الرقابة على الأنشطة والعملاء والمعاملات الأعلى خطورة، مع تجنب تحميل المعاملات المشروعة أعباء وإجراءات غير ضرورية.
وأكد أهمية توظيف التكنولوجيا وتحليل البيانات في تطوير أنظمة الامتثال، بما يسهم في تسهيل حركة الأموال المشروعة من جهة، ورفع قدرة الجهات المختصة على اكتشاف العمليات المشبوهة من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية حماية سلامة النظام المالي الأردني مع اتساع حجم التدفقات المالية والاحتياطيات الأجنبية؛ إذ بلغت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي الأردني نحو 28.38 مليار دولار في آب 2026، وفق أحدث البيانات المنشورة.
وبحسب الرؤيتين القانونية والاقتصادية، فإن مكافحة غسل الأموال لم تعد ملفًا قانونيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل ترتبط بسلامة القطاع المالي وثقة المستثمرين وسلاسة التعاملات المالية الدولية.
ومن المنتظر أن يحدد النص النهائي للقانون المعدل بصورة دقيقة طبيعة الالتزامات التي قد تترتب على الجهات الخاضعة لأحكامه، إذ إن مشروع القانون في مرحلته الحالية لا يعني بالضرورة فرض التزامات جديدة محددة قبل صدور النص النهائي ونفاذه.
وبحسب الخطاطبة، تتمثل أهمية المشروع في تحديث أدوات الدولة لمواجهة جريمة تتطور باستمرار، فيما يرى السرحان أن نجاح التعديل اقتصاديًا يرتبط بقدرته على تحقيق توازن بين تسهيل حركة رأس المال المشروع وتشديد الرقابة على الأموال غير المشروعة.
ويأتي تطوير قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضمن مسار أوسع لتحديث المنظومة القانونية والرقابية، ومواكبة المعايير الدولية، وتعزيز قدرة النظام المالي الأردني على التعامل مع مخاطر الجرائم المالية العابرة للحدود، مع الحفاظ على كفاءة حركة الأموال والاستثمار المشروع.